Tuesday, July 9, 2013

التكرار

التكرار

على الأرجح أنك تابعت نشرتي أخبار على رأسي ساعتين متتاليتين. الأكيد أنك ستتابع الأولى لمعرفة ما يدور حولك، خاصة لو كنت منقطعاً عن مشاهدة التلفاز لساعات عدة. الأكيد أيضاً أنه في المرة الثانية ستذهب نسبة معتبرة من تركيزك على تفحص معالم المذيعة، وسينصب اهتمامك بدرجة أكبر على التأكد من أن تكرار النشرة الثانية هو بالدقة نفسها في المرة الأولى.

يحصل التكرار نفسه، عندما تذهب إلى محل للهواتف الذكية، فتقلب على الأقل أربعة أو خمسة أجهزة، إن لم يكن عشرة، قبل أن تتخذ قرارا بشراء أفضلها من وجهة نظرك، رغم أنها جميعا تحمل ميزات متشابهة من التطبيقات والنفاذ إلى الإنترنت والسعة والكاميرات. ربما يفرق معك قليلا السعر المخادع (الأول بسعر ١٩٩٩، والثاني ١٩٩٥).

ومؤخراً، أضافت شركة فيسبوك الهاشتاق -الوسم- إلى تدويناتها القصيرة، في عملية نسخ ولصق لتكرار ابتدعته شركة تويتر من ذي قبل. ولما راقت فكرة تويتر لشركة غوغل اخترعت +Google، مع فوارق بسيطة تفرضها المسافة الفاصلة بين عمليتي النسخ واللصق.

الملاحظ أن كل هذه التكرارات غربية الصنع. السؤال هل لدى العرب مثل هذا التكرار؟ الحقيقة إن العرب لا قبل لهم بتكرار ”التكنولوجيا الحميدة“. العرب يسرقون ولا يكررون وقد كشفتهم التكنولوجيا. جردة واحدة على أعمال ”الروائيين الجدد“، في الإنترنت، ستريك حجم السرقات في الأفكار. جردة ثانية في دواوين ”الشعراء الجدد“ ستريك مدى السرقات تحت مسمى ”التناص“- أي توارد الأفكار.

جردة ثالثة على أخبار الفضائيات العربية، خاصة العاجل منها، ستريك مهارة السرقة مع تغيير بسيط في الصياغة. وإلا كيف نبرر ظهور خبر واحد على أنه عاجل على كل شاشاتها في لحظة واحدة مع فارق بسيط في التوقيت.

وبخلاف السرقة، هناك فوضى في استخدام الأدوات. هل انتابتك الحيرة يوما من أي الأجهزة المحيطة بك ستتابع الأخبار؟ من الآيفون ذو الإنترنت فائق السرعة، الآيباد ذو الصورة عالية الجودة، الكمبيوتر المحمول في الجوار ذو الشاشة العريضة. من التلفزيون المتطور ذو الأبعاد الثلاثة.

في النهاية يقرر العربي التالي: يفتح التلفاز على نشرة الأخبار. يلتقط الآيفون لمتابعة فيسبوك وتويتر، يشغل موسيقى الآيبود، ثم فيلم أكشن من الجهاز المحمول، ويتيه في فوضى المحتوى وتكرار الأجهزة. المصيبة أننا نقبل هذه الفوضى المركبة وبكل ترحاب، وعن سبق إصرار.

وحين نكون منتشين بالإعجاب بهذا التكرار في المشهد، نقول إن حياتنا بات فيها الكثير من الخيارات . وحين نمل منه منزعجين نعود إلى حقيقة مفادها أن كل هذه الخيارات ما هي إلا خيار واحد في الأصل، تم نسخه مرة واحدة، ولم تنته الشركات من عملية لصقه في واجهات العرض، حتى الآن.

ثم نتساءل: لماذا يتسلل إلينا الملل هذه الأيام أكثر مما مضى في أزمنة آبائنا أو أجدادنا، رغم وفرة أدوات الترفيه؟ الجواب هو أنه في الحقيقة لا توجد وفرة، كل ما هنالك هو تكرار لما كان سابقا مع تغيير طفيف في إمكانات الأدوات يشعر المستهلك معها بالتنوع المخادع.


هذه ”التخمة التكنولوجية“ شبه إلى حد كبير التخمة الغذائية. وفي حين أن الأولى تزيد التشويش العصبي للذهن، ما يعيق التفكير ويشوه الأفكار في مهدها، فإن الثانية تربك هرمونات الجسم، لتترجم لاحقا زيادة الوزن بفعل، ما يستدعي حمية قاسية، والتي أتمنى أن تنسحب على استخدام أدوات التقنية لتترجم في حمية تكنولوجية.

1 comment: