Tuesday, August 20, 2013

مخلب العسكر ووجه الديمقراطية

يرفعونه فرحا وينسون أنهم مازالوا أسفله

مخلب العسكر ووجه الديمقراطية

من نافلة القول إن ما حدث في مصر في ٢٥ يناير ٢٠١١، ”ثورة شعبية“ قامت على أرجل ثلاث: عيش، حرية، عدالة اجتماعية. وعلى الأرجح، فإن ما وقع في ٣٠ يونيو ٢٠١٣، ”انقلاب عسكري“ مشوب بكل موبقات الثورة، وإن شئت، انقلاب باستخدام كل أدوات الثورة الشعبية أو بعضها. ومن ثم سيتراءى لنا المشهد على النحو التالي: ”انقلاب ثوري يأكل ثورة شعبية“.

فقد كان يَلزمُ الجيش المصري، كي يُبعدَ عن نفسه صفة الانقلاب، استخدام أحد أدوات الثورة، وهي ”الحشود“ التي خرجت بتحريض واضح منه، وتحت وطأة ”بساطيره الثقيلة“ على صدور المعارضة، التي كانت بالأمس القريب رافدا أساسيا لثورة ٢٥ يناير، قبل أن تتحول لاحقا إلى أحد أبرز وجوه التلميع للانقلاب: الأزهر والكنيسة ومحمد البرادعي (قبل أن يستقيل)، وبقايا إسلاميين.

فجأة يُصَدّر لنا الجيش أداة أخرى من مكملات الثورة: قائد حملة ”تمرد“ محمود بدر، الذي قيل كلام كثير عن وقوف وحدة التوجيه المعنوي في الجيش وراءه. ولأن الثورة يلزمها وجوه شابة تتصدر صفها الأول، لم يكن صعبا على العسكر اختراع هذا المنتج، لتكميل مشهد الانقلاب الناعم ذو الوجه الثوري.

ثم يتولى الجيش، قبل أن يتوارى عن المشهد قليلا، ترتيب لقاء ”للولد“ الذي لم يتجاوز عقده الثاني، مع الممثل السامي للاتحاد الأوروبي لشؤون السياسة الخارجية والأمن كاثرين آشتون، وتظهر له صور في كل تلفزيونات العالم وهو ساهم النظر في السماء، بينما ”يلعب في مناخيره“ مرتديا ”تي شيرت“ الثورة. صورة أراد لها الجيش ومريدوه أن تمحو صورة وائل غنيم الذي كان أحد أهم مفجري ثورة ٢٥ يناير، رفقة كثيرين غيره، قبل أن يختفي معظمهم رفضا لاستغلالهم من سياسيين وخشية ممن أرادوا لهم الركوب على أكتاف الثورة، قبل أن يركبوها هم. لاحقا، يُصبح كل ملتح بنظر الحكومة ”إرهابيا“، وكل ذي سلسة في الرقبة ”ثوريا“ بامتياز، ويتيه بين البينين مفهوم الإنسان.

وبعيدا عن الثورة وأدواتها، وهي كثيرة، يُريد العسكر من الجميع أن يفهموا ما هو ممنوع من الفهم، وهو أن الدبابات يمكن أن تُمهد الدروب إلى الديمقراطية، دون أن يدركوا أنه حين يخدش الجيش الممارسة الديمقراطية بمخلبه في مقتل، فلا يرجى لها صلاح. وغزلا على منوال فهم الجيش لـعسكرة الديمقراطية، يُسوّق علينا وزير الداخلية في مصر محمد إبراهيم، أن الديمقراطية لا يضيرها أن تتغذى على دماء مئات القتلى والجرحى إن سقطوا ”وفق المعايير الدولية“ لفض الاعتصامات. وفجأة يصبح رجال الشرطة الملوثة أيديهم بالدماء في ثورة ٢٥ يناير، أبطال المشهد، وبدعم كبير منثوار ٣٠ يونيو الذين كانوا بالأمس القريب من أشد الغاضبين عليهم.

لا أسوق ذلك دفاعا عن تجربة الإخوان المسلمين القصيرة في الحكم، والتي صاحبها الكثير من الأخطاء في ما يشبه ”المراهقة السياسية“، بل لأن حزني عميق على عدم الفهم للممارسة الديمقراطية والتي يُراد لها النضوج عنوة تحت وطأة التمترس وراء الأيديولوجيات الحزبية من كل الأطراف. فالديمقراطية مفهوم نظري، لا يمكن أن يترجم واقعا، ما لم يكن له في الأصل تطبيقاته العملية على الأرض أولاً، قبل التنظير له سياسيا ثانياً.

وفي صميم ممارسة التجربة الديمقراطية، يأتي الحديث عن صندوق الانتخابات واحدا من مكملاتها لا جزءا أصيلا منها، بعد أن تكون الشعوب قد حققت اكتفاء معقولا لجهة الثالوث الشهير: العيش، الحرية والعدالة الاجتماعية. فبلوغ حالة الإشباع من هذه الممارسات الثلاث، يدفع المرء طواعية لتكميل رغبته السياسية منترف الذهاب إلى صندوق الاقتراع كي يختار ممثليه، متأكدا في الوقت ذاته ألا أحد يمكنه المساس بثالوثه المقدس. وهكذا، فإن المفهوم هو وليد الممارسة والتجربة لا العكس. وطالما أن الممارسة غير موجودة في الأساس سيبقى الوعي الجمعي لمفهوم الديمقراطية عربيا مستحيلا أو غير مُدرَك.

وفي إسقاط ضحل على مفهوم الديمقراطية، يُحاول جوقة من الصحفيين المصريين تبرير عزل الرئيس محمد مرسي بأنه أشبه باستئجار شخص سيارة من مكتب تاكسيات لمدة أسبوع، لكنه أعادها بعد يوم لمجرد أنها لم تعجبه دون أن يكمل المدة القانونية للاستئجار. وإن كان هذا مفهومهم الخاص للديمقراطية، فلماذا لم يعد مرسي إلى أهله وأودع السجن؟ ألم أقل لكم إن مفهومنا للممارسة الديمقراطية مازال ”واطيا“ فكيف نتجرأ وننظر له؟

وأمام هذا كله، لم يعثر لزعيم التيار الشعبي حمدين صباحي، ولا زعيم حزب المؤتمر عمرو موسى، ولا مؤسس حزب الدستور محمد البرادعي على أي أثر. فأمام مخلب العسكر تتوارى كل الدعاوى الكاذبة عن حقوق الإنسان، وترتجف حتى أفواه الإدانة أو تخرس كليا إزاء علميات القتل الجماعي في الميادين، والقمع الممنهج للناس في الشوارع. وفي ذلك، أنه حين يقايض السياسي مصلحته السياسية بما يجب أن يمليه عليه ضميره الإنساني أن يفعل، -إن كان هناك بقية من ضمير- فإنه حتما يخسر الاثنين معاً. لكنه يحتاج بعض الوقت كي يتأكد أنه تحت اليد الغليظة للعسكر، تبدو الديمقراطية ”نكتة سمجة.

No comments:

Post a Comment