Thursday, September 12, 2013

عن الاندماج والانبهار وإدمان الفقر


عن الاندماج والانبهار وإدمان الفقر

انتبه: أنت أمام مقال طويل.

هذا المقال لا يطرق بابا في السياسة الغربية، وتحديدا الأميركية، في كيفية التعامل مع القضايا العربية. ولا هو مقال جدلي يستعرض مواقف من هم مع سياسة أميركا في المنطقة العربية، ولا من هم ضدها.

الأهم من ذلك، إن كنت من مدمني المقاربات السياسية الغربية إلى ما هو دونها من الحياة المعيشية في العالم العربي، ثم ربط الفشل المعيشي العربي بالسياسة الغربية، (أي مقاربة السياسي الغربي إلى المعيشي العربي) فهذا المقال ليس لك.

وإن كنت من عاشقي الإسقاطات السياسية من ثقافة الغرب على ما هو غير سياسي من أمور تتعلق بـ”نظافة“ المجتمع ومقابلتها بما هو عربي،(أي إسقاط السياسي الغربي على المعيشي العربي) فأنصحك بعدم متابعة القراءة.

(١)
ولتوضيح ما سبق نضرب مثالا. النظافة ليست سياسة، بل هي ثقافة. ألا نقول إن النظافة من الإيمان؟ وما الإيمان إلا ثقافة. لكن، والكلام هنا في مرحلة تسطيح الأمور، لا يعجب البعض مثلا أن تمتدح نظافة شارع في أوروبا أو أميركا. ومع أن الموضوع ليس سياسيا البتة، ينتاب ذلك البعض رغبة في رفعة أصبعه الأوسط في غمرة الفرحة بثقافة النظافة، ليذكر بما هو ليس محلا للتذكير -وبإسقاط غبي- بسياسة أميريكا تجاه البلدان العربية، رغم أن هذه الأخيرة مازالت تعج غالبية شوارعها بالزبالة في قرن تعد المياه والصابون أرخص منتجاته.

فأين هو شعار العربي المسلم من ثقافة "النظافة من الإيمان"، الذي يُعمله الغربي ”الكافر“ في كل مناحي حياته؟ ثم أين موقع هذا الشعار من السياسة؟ ولماذا نتحول فجأة إلى فقهاء سياسيين وننتقد سياسة الغرب تجاه القضايا العربية عندما نمتدح نظافة شوارعه؟ وما دخل هذا بذاك؟ إن الجمع بين ”ثقافة النظافة“ و”عبثية الفوضى، حين تكون الأولى سياسية، غربية، مؤسساتية، والثانية عربية، معيشية، فوضوية؛ ينم عن ضحالة في المقاربة، وحينها يتبدى جليا انعدام الأفق في الإسقاط.

إلى هنا قد تبدو الأمور عادية. لكن حينما يأتيك فهم الإسقاط لما هو سياسي على ما هو معيشي ضمن أفق ضيق، تحديدا من بعض من يعيشون من العرب في الغرب؛ فإنه في مرحلة التسطيح يمكن أن ترد فتقول: هذه البلد أعطتك الفرصة، وإن لم يعجبك أمرها فغادرها. لكن الاكتفاء بهذا القول ليس مبدئا أصيلا في التعامل مع الأشياء.

وللتوضيح، والكلام مازال في مرحلة التسطيح، يمكن القول إنه عندما تمر للمرة الأولى في شارع مليء بالزهور ذات الرائحة الزكية، تبهرك الرائحة والمنظر. بعد أسابيع أو أشهر ستخف حاسة الشم لديك، كما أن عينيك لن يريا في المشهد كثيرا من الجمال، ذلك لأن بعض خلايا الأنف والعينين قد ماتت على الأرجح. وذلك ما يبرر أن الانبهار بالأشياء يزول، لكن الناس يختلفون في الوقت المستغرق لتجاوز هذه المرحلة.

الآن سأُخضع الموضوع إلى قليل من الفلسفة لأقول: إن من ينبهر ولا يترك الانطباع الأول أثرا في نفسه، ولاحقا في تكوينه الثقافي، فعلى الأرجح، فإنه مع موت بعض خلايا الأنف والعينين تكون قد تَيبِّست أيضا خلايا منطقة معتبرة في عقله، تعيق استيعاب المحيط وتقبله، ومن ثم الاندماج معه. والاندماج هنا كليا بمفهومه الاجتماعي.

وفي مرحلة أخرى من التسطيح، يستكثر بعض "المستغربين القدامى" (نسبة إلى الغرب) مجرد الانبهار الذي ينتاب ”المستغربين الجدد“ من نظافة ثقافة وشوارع الغرب، وهي حالة إنسانية طبيعية كان الأوائل قد مروا بها عندما وطأت أقدامهم أوروبا للمرة الأولى قبل سنوات عدة. وفي ما يشبه النصيحة بعدم التجريب، يوجه أحدهم سهام لومه لذلك ”المنبهر الجديد الغبي“، أن العيش في الغرب (لا العيش معه، إذ إنهم فقط يعيشون فيه)، ليس فيه مغانم كثيرة، وذلك بعد أن وصل مرحلة أتاحت له أخيرا استذكار بعض أبيات ”الشعر الجاهلي“ عن الحنين للوطن، سنفصلها لاحقا.

في المقابل، فإنه في مرحلة الفلسفة يمكن القول إن العربي الهاوي للاستغراب سيُهاجر يوما ويختبر بنفسه إن كانت فرضية الاندماج تتسق مع ظروفه كي يحقق النجاح من عدمه، وسَيُحيّد كل التجارب الفاشلة والناجحة، إذ إن اعتقاده الراسخ أن التجربة دائما شخصية، شخصية جدا. ومن يخشى التجريب فهو أجبن من أن يعيش، مع الغرب وفيه. وحين يخوض ذلك الفتى التجربة، سَيُثبّت عوامل السن والتعليم والخبرة واللغة، وكذلك أهدافه الخاصة، مما لم يتوفر لمن سبقه، وربما لن يتوفر لمن سيأتي بعده.

وإن خانت ذلك الشاب الجرأة في عدم الإقدام على ما يريد نزولا عند تجارب الآخرين، وأخذا بنتائجها، تحديدا الفاشلة منها، فهذا تشجيع أكيد من المجربين على إحباط المحدثين أمثاله في الركون وعدم التجريب أصلا. وإن كان دافعهم الإحباط، فهذا بالنسبة له حافز للنجاح، ليس في ما أخفق فيه الآخرون -إذ إنه لا يتحدى أحدا على الإطلاق- بل في المسار الذي سيختاره، رغم علمه، عن سبق الإصرار والترصد، أن الحياة تشي بما هو أعمق وأعقد من ذلك بكثير.

يقول الشاب اليوم: لو كنت في موقع المجرب القديم، وكانت تجربتي فاشلة بنسبة مائة في المائة، لما أحبطت من يريد خوض غمارها من جديد ولو للحظة واحدة. فلو ركن ”الشيخ“ أديسون إلى فشل تجربته الأولى في صنع المصباح الكهربائي لعشنا في ظلام، ولو لم يأت من بعده مطورون ومجربون جدد، لما سُميت باريس ”مدينة الأنوار“.

يَكبرُ شيء داخل الشاب ليخاطبه مباشرة: ستشيخ يوما، وتدور الكرّة ليسألك أحد المحدثين عن تجربتك، ولن تخجل في الحديث عن فشلها إن كان هذا مصيرها، وستكتفي بالفشل ”تجربة فريدة“ تحدث عنها الآخرين. لكن حينها ستكون قد حققت بعض حلمك في تأليف بعض الكتب التي تراودك أفكارها على الدوام، وأنجزت الدكتوراة في أعرق جامعات الغرب. وإلى أن يتحقق حلمك الأكبر باقتناء بيانو وتعلم العزف عليه، ستكون حينها قد أنهيت المرحلة الأولى مما يمكن أن تسميه ”اندماجا“.

يمضي هذا الشيء الداخلي مخاطبا الشاب قائلا: لاحقا، سيكون أولادك -إن كان هناك أولاد- قد حملوا جنسية البلد التي ولدوا فيها، وتعلموا لغتها بإتقان، ما سيمكنك مرتاح النفس من المرور أمام مقر أي ”فرع“ لما يسمى ”منظمة التحرير الفلسطينية“ كي تبصق عليه. وستبقى تذَكّر أبناءك بالمخيم والقرية التي هُجِّر والدك منها عام ١٩٤٨. حينها أيضا ستسافر إلى كل الدول العربية التي منعتك في السابق من دخولها بسبب جواز سفرك القديم ”المسخ“، ليس إلا كي تبول على واحد من أرصفتها الرئيسية، قبل أن تقلك الطائرة مقفلا. عندها ستكون قد أنهيت المرحلة الثانية مما تسميه ”اندماجا“.

(٢)
يُغرّدُ الشاب اليوم بهذا الكلام الذي ربما لن يعجب كثيرين، وهو يعرف أنه ما كان من الممكن أن يقوله لولا ما شاهده وعايشه وجربه خلال السنوات القليلة الماضية من تردٍ غير مسبوق مهنيا وتعليميا وأخلاقيا -في محيطه على الأقل- كان النجاح خلالها ينتزع انتزاعا وبشق الأنفس من وسط غابة تعج بالفوضى، الغباء، التسلق، التملق، النفاق، الخلط، التأويل، التقويل، المنع، القمع والتقييد. وهذه بعض أشياء إلى جانب أخرى كثيرة كانت دائماً تصب في اتجاه الرحيل عن كل ما هو رديء، والتركيز في ما قد يكون مخرجا من هذه الحالة بأقل الخسائر.

ففي إحدى حالات التردي مثلا، يظهر أحدهم فجأة في صفحة ذلك الشاب في فيسبوك، لم يعلق يوما على أي شيء يكتبه، ليعلمه درسا في الصدمة الثقافية، بعد أن أبدى إعجابه بأبرز وجه لأميركا: الحرية. وإن كان الشاب فرحا بأميركا، فإن هذا الظهور جاء على الأرجح ليرفع صاحبه في وجهه أصبعه الأوسط.

ومن نافلة القول، إن من يزر الغرب، ولم يجرف مع تعلم اللغة كثيرا من الثقافة فكأنه لم يزر هذه البلاد. وبالتالي فإنه يتوجب عليه ألا يلوم هذه الثقافة إن لفظته يوما. وقد رأيت أصنافا ممن عاشوا في أوروبا أكثر من ١٥ سنة، حصلوا خلالها على جواز سفر إحدى بلدانها، لكنهم عادوا من هناك ”محافظين“ على كل ما تكتنزه سوق السيدة زينب الشعبي في مصر من أخلاقيات التعامل. وفي ذلك أن الأخلاق الغربية الحميدة على الأقل -على كثرتها- لم تشذب أي شيء داخل هؤلاء، يمكن أن يشي به المظهر الخارجي لهم على الأقل، إذ بقوا ”محافظين“ أيضا على عدم حلق الشارب!

وفي حالة أخرى من حالات التردي، يتمنى الفلسطيني أن يعاني كل بني البشر مثله. ويتمنى السوري أن تعم الفوضى بلاد العرب كما في بلده. ويحقد العربي الفقير على العربي الميسور الحال، ويتمنى زوال النعمة عنه. وضمن هذا المنطوق، تصبح أي تنمية معيشية كانت أم اقتصادية في أي بلد عربي لا يأبه بالسياسة، محل سخط أناس في بلد آخر تتعثر فيه مشاريع التنمية بسبب ”كوارث السياسة“.

ففي إحدى المرات كتب صديق في فيسبوك أن دولة عربية تحتل المركز الرابع عالميا كأغنى دول في العالم على أساس نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي بعد سنغافورة والنرويج وأميركا، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي. ويشير التقرير إلى أن مواطني هذه الدولة هم الأكثر رضى معيشيا في العالم العربي، رغم أنه لا توجد فيها أحزاب سياسية.

كان الكلام في كيفية تركيز الدولة جهودها على تحقيق التنمية الاقتصادية لمواطنيها، لا الانشغال بالسياسة التي قد تدمر أعتى المشاريع التنموية، وغزة أكبر مثال. لكن أحد مدمني الفقر الغزيين ممن لا يحبون رفاهية المجتمعات، علق على هذا الكلام بالقول: ”إن هذه المقاربة فاسدة، وإن الحكم الشمولي وإن أنتج رفاهية آنية ومصطنعة مصيرها الزوال السريع“.

الغريب أن هذا المُعَلّق يعمل في إحدى المشاريع التنموية المدعومة من الغرب. وهذا بالضبط ما يفسر إدماننا للفقر لدرجة نستهجن أي تطور، ونتمنى زواله سريعا. وهذا موضع يصح القول فيه إن العصفور الذي يولد ويترعرع في قفص، ينظر إلى الحرية على أنها مرض. وهذا الكلام يصح أيضاً حين تبدي إعجابك بما عليه الغرب من نظام معيشي محكم، فيسارع أحدهم إلى حشر المسألة في أفق سياسي ضيق مصدره الأساسي النظام المعيشي الفوضوي الذي يحياه. آه، آه، آه، كم نحن مسكونون بالموت! والموت أنواع!

(٣)
يخشى بعض العرب المسلمين في الغرب ضياع هويتهم الإسلامية والعربية بسبب الاندماج، وهذا تفكير يشبه إلى حد كبير نظرية المؤامرة التي مازال البعض يعتقد أن الغرب مشغول بتدبيرها للعرب والمسلمين.

وفي أصول الأشياء، ثمة خلط واضح لدى البعض بين مفهومي الهوية والمعتقد الديني. فالدين -أي كان- هو معتقد ليس شرطا أن يصبغ هوية الدولة في شكلها المؤسساتي العام. خذ تركيا مثلا. فمن الناحية المؤسساتية الدولة علمانية، وإن كان غالبية سكانها مسلمون.

لكن في حالات معينة قد يصبغ الدين هوية الدولة، إن اختارت الدولة ذلك وتماهى معها المجتمع في هذا الاختيار، حينها تبدو الدولة في الفضاء العام للآخر دولة متخلفة، خاصة إن أسقطت من حساباتها حقوق الغير في ممارسة الطقوس المعيشية، وبالتالي يكون الدين هو الهوية والهوية هي الدين. المملكة العربية السعودية مثالا، وظاهرة المحرم للمرأة نموذجا.

وفي حالات ثالثة عن الهوية والدين، قد يمنح الدين الدولة حالة متفردة من الهوية الثقافية، إن اختارت الحرية وجها لها في حياتها اليومية. تركيا تقدم نموجا آخر في هذا المجال. إذ لم تمنع الحرية التي تصبغ الهوية التركية من أن تكون دولة إسلامية في الأساس.

خلاصة القول، هو أن ما يعتقده الإنسان لا يمكن أن يطبع هوية الدولة في الفضاء الثقافي العام. وإن كانت غالبية سكان الدولة يدينون بدين معين، فإن ذلك ليس شرطا لتحديد هوية البلد. أكثر من ذلك، فإن إعطاء كل فئة ذات معتقد الحق في ممارسة طقوسها بكل حرية، يمنح البلد تنوعا فريدا في الهوية. الولايات المتحدة نموذجا

وغزلا على ذات المنوال، فإن ماليزيا مثلا، التي تعد من كبرى الدولة الإسلامية من حيث عدد السكان، لا يمكن اعتبارها من منطوق الهوية الثقافية ذات صبغة إسلامية مائة بالمائة، لأن التنوع المضمون بالقانون في هذا البلد تجاوز بهويته حدود المعتقد إلى ما هو أوسع، خصوصا لو قارنا التجربة الماليزية بالتجربة السعودية مثلا.

وفي سؤال الهوية والمعتقد: ما هي هوية مصر اليوم؟ ما هي هوية غزة والضفة الغربية؟ ما هي هوية الأردن؟ ربما تقول: هويتها الإسلام الذي تدين به. لكن هل لو مشيت في أحد الشوارع الرئيسية لأي منها سترى هذه الهوية مكتملة بلا نواقض ثقافية، أو حتى دينية؟ أشك. وهذا ما يفرض بإلحاح تعريفا جديدا للهوية قد يكون الدين، وقد لا يكون، جزءا منها.

(٤)
وفي مسألة الوطنية، تلك المفردة الفضفاضة، يصح شرح المشهد من زاويتين.. ففي واحدة من مراحل التسطيح للأشياء يمكن أن تعني الوطنية حمل علم في مظاهرة حاشدة لفصيل سياسي، يطلق فيها النار، فتموت بطلق عشوائي، فتسمى ” شهيد“.

وعند ملامسة الوطنية فلسفيا فإنها تتراءى للوطني على أنها عملية بناء وتنمية متكاملة، تجعل من يأتون بعده يشيدون بما تركه لهم، ويكملون البناء، لا أن يضطروا إلى شتمه ولعنه في كل خطوة يتنكبون فيها الطرق على أرصفة الوطن.

وفي الوطنية أيضا، يبقى العربي المغترب خائفا من ضياع وطنيته الأصلية التي جلبها معه من وطنه الأم، وفي نفس الوقت يعيش وطنية البلد التي منحته جواز سفرها. وهذا حالة غير صحية تبقيه مضطربا بين تنازع وطنيتين، وبالتالي تكون معيقا رئيسيا له في أي اندماج محتمل.

وهذا الأمر يمكن تتبعه عبر المراحل التي يمر بها العربي المغترب على النحو التالي:

يغادر العربي بلاده في عمر ١٨ عاما، يلتحق بإحدى الجامعات الأوروبية ويتخرج فيها وعمره ٢٤ عاما. يجد عملا هناك رغبة في عدم العودة إلى بلاده التي يعتبرها بكل تأكيد مهترئة ورديئة.

يجهد في عمله سنة أو سنتين أو ثلاث، يبدأ خلالها بإجراءات الحصول على جواز سفر البلد المضيف. بعدها يلتحق ببرنامج للماجستير في إحدى جامعاتها. وخلال الماجستير يتزوج بفتاة غربية، أو عربية مغتربة، أو غربية ”قح“، وبالتالي يحصل هو وأولاده في أقل من ثلاث سنوات على جنسية البلد، سواء عبر الذواج، أو من خلال مكوثه في البلد بسبب العمل.

يستمر في العمل سنوات عدة، بعدها يلتحق ببرنامج دكتوراه على حساب الدولة باعتباره مواطنا. يتخرج من البرنامج وهو في أوائل الأربعينات من عمره. بعد ذلك بعشر سنوات يكون قد أنهى أكثر من ٣٠ عاما من المكوث في هذا البلد، الذي منحه كل هذه الفرص في التعليم والعمل، وأهمها على الإطلاق حرية الحركة عبر جواز سفر أجنبي، خاصة إن كان فلسطينيا.

فجأة، ومن دون سابق إنذار، وبعد كل هذه السنوات من البناء وتحقيق الطموح، والثراء الفكري والاجتماعي على الأقل، دعك من المالي، مما كان لا يمكن تحقيقه في بلده الأم، تشتعل لدى العربي المغترب الوطنية من جديد، ويتذكر بيتا من الشعر ”الجاهلي المعاصر“:

                           بلادي وإن جارت عليّ عزيزة    ...    أهلي وإن ضنوا عليّ كرام

أيها العربي المغترب، إن كنت تحب الشعر لهذه الدرجة، ارجع لبلدك فورا. وإن كنت تريد رفع درجة معنى هذا البيت إلى ما هو أكثر واقعية، فلماذا لم تتحمل جور بلدك وهجرتها أصلا؟ ربما تقول في سرك الآن، إن بلدي الأم لم تعطني شيئا، وعلى الأرجح أني لن أعطيها شيئا، وعليها ألا تنتظر مني أي شيء. إذن، فلماذا الشعر بديلا عن الواقع؟ الجواب: لأن هذا تفسير أكثر من منطقي لحالة إدمان العربي الفقر.

يدرك ”المغترب الجديد أن كل ما جاء في هذا المقال سيتغير، وربما لا يتغير، وفي الحالتين، وحينما يتسنى له قراءته بعد عشرين عاما من الآن، سيكون حكمه على ما ورد فيه قد نضج أكثر، وفي تلك المرحلة تحديدا يمكن الوقوف عند نجاح التجربة أو فشلها، وستكون إحدى علامات ذلك، حجم الضحكة، أو شهقة الألم، التي سيطلقها بعد الفراغ من قراءته.

من باب حفظ الحقوق، شكرا لكل من أوحى إليّ بفكرة هذا المقال، والذي لم أتخيل أن يكون على هذه الشاكلة. ولو كنت أعرف هذه الشاكلة، لكنت زرت أميركا منذ زمن.

موسى محمود الجمل
واشنطن دي سي - الولايات المتحدة
١١ سبتمبر ٢٠١٣

No comments:

Post a Comment