Sunday, October 20, 2013

أتدرون؟

أتدرون؟
أتدرون أين تذهب ظلالنا عند المغيب؟ تجمعها الشمس وتطويها بعناية فائقة في دواليب الشفق، لتوزعها في الصباح التالي على سكان النصف الآخر من الأرض.
أتدرون أين يذهب الفرح حين نكتب نصا باكيا؟ يأوي إلى ظل السطور، وتندلع على الفور مندبة: تذرف الكلمات الدموع، ويشتد نحيب القلم، ويجهش الحرف، ويتنهد الحبر.
أتدرون أين يهرب الحزن عندما تجتاحنا موجة فرح؟ يأوي إلى ركن مهجور في القلب لم تصله خدمات السعادة بعد.
حُلمٌ يَتَخلّق
وفي كل مرة كان يمشي وهو نائم، يأخذه الحلم في نزهة سريعة على شاطئ المستقبل، ليحكي له كيف يتخلق قبل أن يتحقق.
درس في الحرية
يطأ الظلام بأقدامه الغليظة رقاب أعمدة الإنارة على جانبي الطريق، فتطأطئ رؤوسها ذات الوجوه الزجاجية فوق السواري الحديدية بصمت ذليل. كان يحسب أن المشهد درس في العبودية، لولا أنها تضيء.
جريمة النُور
وما الليل إلا ظل أشجار انحسرت دونها الشمس... والقمر يحرسه. يضن على الظل المشهد فيتساءل في خلده: بماذا أخطأ القمر، حتى أغلق الناس نوافذهم بكل هذه الستائر السميكة؟
مصدر موثوق
في غرفة الأخبار: يسألونك عن مصدر القتل. قل آثار الدم، وإن لم تصدق، اسأل الموت.
حالة إفتاء
قال الشيخُ للمذيعة: الحجابُ واجبٌ. قال المفتي المولع بالمذيعة: إن المكياجَ حلالٌ. ثم تخاصم الشيخ والمفتي إن كانت شفتاها تشبهان لون التفاحة التي أكلها آدم: أحمراء هي أم صفراء فاقع لونها تسر المشاهدين.
تمويل
ألم ترى كيف تبدأ المذيعة الحصاد الإخباري. يبدأ هكذا: ١٦٦ قتيلا في سوريا، ١٢ قتيلا في اليمن، ٦ قتلى في غزة، ٤ قتلى في ليبيا. وهكذا ينتهي: QNB إلى الأمام. فهكذا قتل يحتاج بالفعل إلى تمويل.
ماء وضوء
الابن: مات كل الشجر في حديقتنا يا أبي إلا تلك التي حيرت باخضرارها المستمر الجميع. فما السر يا أبي؟
الأب: هذه الشجرة كان لا يحلو لجديك الوضوء إلا فوق جذعها.
الابن: يا لسحر ماء الوضوء!
الأب: إن الشجر الذي يُسقى بماء الوضوء لا يمت أبدا يا بني.
أمكنة وأزمنة
ولأنه كان لا يجد نفسه في الأمكنة، فقد كان عزاؤه الوحيد وجوده الدائم في الأزمنة، فتراه يقاتل من أجل وطن آمن في المستقبل.
أول درس في الخيال
بعد أن بدأ الطفل المشي بأيام، أخذ يقفز للأعلى رافعا أصبعه محاولا ثقب السماء. سأله أبوه: لماذا تقفز هكذا. وبحركات من يديه قال الطفل ما يشبه: كي ينهمر المطر. ففهم والده أن ذلك درس ابنه الأول في تعلم الخيال بوحي سماوي.
مآذن
في يوم الجمعة تعيد الشمس ترتيب المآذن في فضاء السماء بما يسمح لها بالصلاة. القصيرة في الأمام لتشكل بظلها فرش صلاة للمؤمنين. والطويلة في الخلف لتغمر الفرش ومن عليها بظلالها.
ظلال أشياء
·        الجندي المدجج بالسلاح بجوار البوابة الحديدية، تراه يحرس وهما اصطنعه لنفسه. والوهم ليس له إلا الليل يؤنسه.
·        الطفل المشرد الغارق في نومه فوق عتبة البنك الرخامية، تحسده كنوز البنك التي لا تتوقف عن الاضطراب من شدة اليقظة خشية عيون السُراق.
·        السحب التي تملأ سماء لا تمطر، تشبه مساحيق تجميل ملأت وجه امرأة عجوز تريد أن تخفي تجاعيد الزمن.
·        دراجة ساعي البريد، يقود عجلاتها رسائل فرح، ويكبحها رسائل حزن.
·        الوردة التي مازالت متفتحة بعد قِطافها، تقول لكِ: إن أشعة الشمس التي ربتها لا تزال عالقة في بتلاتها.
·        المرأة التي تعلق بناطيل زوجها على حبل الغسيل كي تجف، لو كانت تعلم كم تختزن جيوبها من هموم، لأشفقت عليها من أشعة الشمس.
·        بقع الرطوبة التي تعلو جدران مساكن البسطاء في الأحياء الفقيرة، ما هي إلا أحلام ضاقت بها أسِرّتهم فسبحت لتنام على الجدران. ولأن الشمس رؤوف ببقع الأحلام، فإنها لا تجف أبدا.
·         الشوارع التي لها أرقام، وليس أسماء، تبدو وكأن جغرافيا الوطن قد لفظتها من رحم التاريخ.
جنازة
وعندما أتقن كل مفردات اللغة تفاجأ أن الناس لا تتكلم. وحين احترف الكتابة صدمه أن الناس لا تقرأ. فمات صريع القلم، وكفنته الأحرف.

No comments:

Post a Comment