Sunday, November 17, 2013

”وينضم إلينا مدير مكتبنا“

”وينضم إلينا مدير مكتبنا

          ”هذه العبارة كذبة كبرى“.. هذا ما أكده لي قولا مراسلان صحفيان ما أن يظهر أحدهما على شاشة تلك القناة الفضائية الشهيرة حتى يقول المذيع مفخما صوته: ”وينضم إلينا مدير مكتبنا من ... “، وعلى الفور يظهر شريط أسفل رأس المراسل يحمل عبارة: ”مدير مكتبنا في ...“ متبوعا بشريط آخر يحمل اسمه.

وتلك العبارة هي آخر صيحات الموضة الإعلامية لدى الفضائيات العربية في خضم فرحتها في تجريب الآلة واستغلالها تحت وطأة الضحكات العريضة للمستخدمين بجمالية الإنتاج الذي أتاح للكل أن ينتج ما يريد، طالما أن هناك مشاهد لا يعترض البتة على عورات المنتج.

ويعرف كثير من الصحفيين أن هناك أربع عواصم رئيسة لا تخلو من وجود مكتب كبير لمعظم الفضائيات العربية: القدس، القاهرة، لندن، واشنطن. وكي لا يكون هناك تجنٍ على أحد عبر التعميم، يمكن أن نقتنع بصحة هذه عبارة ”وينضم إلينا مدير مكتبنا“ لو كان في واحد من هذه المكاتب أكثر من ثلاثين موظفا، على سبيل المثال لا الحصر. حينها يمكن فهم وجود رئيس ومرؤوسين.

لكن هذا لا يتحقق على الدوام. ففي بقية العواصم التي مازال المراسلون فيها يحملون التوصيف ذاته، فإنه في أحسن الأحوال لا يوجد للقناة إلا مراسل ومصور وغرفة في إحدى العمارات وسط العاصمة. وفي عواصم أخرى لا يوجد إلا مراسل دون مكتب، والمصور مستأجر من شركة مزودة للخدمة، والتي تقوم بدروها بإتاحة خدمة البث المباشر للقناة في حال احتاجت تعليقا من المراسل على حدث ما.

أما في ما يخص فهم القناة لهذه البدعة في إطار تسويقها عند المشاهد ”الغلبان“، فإنها ربما تريد أن ترفع درجة صدقية المعلومات التي يقولها المراسل من خلال رفع درجة الوصف أيضاً إلى ”مدير مكتبنا“، وهكذا يصبح المراسل في وجه نظر المشاهد شخص لا يأتيه الباطل من أي جانب. أما بالنسبة للقناة، فقد أضفت على النشرة نوعا جديدا من ”البرستيج“ باعتباره سبق لم يأتِ به أحد من قبل.

يتطور الأمر لاحقا فيصيب بعض المراسلين في العواصم الهامشية، مثل جوبا، ”غيرة المسمى“، فتندلع أزمة داخل المؤسسة بشأنه. ثم يطلب أولئك الذين يطلق عليهم الوصف ولا يوجد مكاتب تأويهم، إنشاء مكتب بالفعل، كي يلقى المسمى ترجمة له على الأرض، فيتم إبلاغهم أن الميزانية لا تسمح بذلك. لكن، تبقى القناة على إطلاق الوصف الشهير عليهم كأحد مكملات البهرجة الإعلامية.

وهذا المفهوم المتضخم في المسميات لدى الفضائيات العربية له قرينان. الأول يتعلق باستحداث فضائيات ضمن الفضائية الواحدة. والثاني إرسال موفدين إلى أصقاع بعيدة في الأرض.

فقد رأينا كيف أنه فجأة تصبح القناة الوليدة للتو، شبكة قنوات لا يكاد يسعها الفضاء. تنقل القناة الأم جزءا يسيرا من المؤتمر الصحفي قبل أن تحيل المذيعة الرشيقة بلباقة المشاهد إلى متابعة الحدث على القناة المباشرة. وهذه الأخيرة ما هي إلا غرفة يعمل فيها فنيان ومذيع في بعض الأحيان. لكن وجودها في الهواء الذي لا تقسمه حدود ولا تحول دونه جغرافيا، يجعل لهذه ”القناة الغرفة“ سطوة الإمبراطورية لدى المشاهد ”الغلبان“، مرة أخرى، وفي ذلك مقال.

أما في ما يتعلق بالمراسل الموفد إلى الخارج، خاصة إلى دولة غربية، فإن هذا الفعل يمثل أيضاً كذبة لا تقل في حجمها عن كذبة ”وينضم إلينا مطير مكتبا“. فبينما يبقى المراسل الموفد حبيس رواية مترجميه بشأن الحدث، وكذلك منتجي الشركة المزودة للخدمة، فإن ظهوره على الشاشة يشكل للقناة واحدا من مكملات برستيج التغطية، في ما يشبه تحميل المشاهد ”الغلبان“ جميل خرق العادة بتكليف نفسها بإرسال موفد لها خارج الحدود.

هذا ليس تحقيرا للمهنة، ولا حطا من قدر الممارسة الإعلامية، بقدر ما هو وضع للأشياء في نصابها بلا تضخيم، إذ إن الشاشة لا يمكن لها على الإطلاق أن تنقل للمشاهد بساطة واقعها على الأرض. وفي ذلك توصيف لما نعتقده صحيحا لهذا الحالة، بحيث لا يتجنى المسمى على بساطة الواقع، ولا يبخس الواقع حق المسمى بالتقليل من قدره.

No comments:

Post a Comment