Monday, December 23, 2013

بزنسة الثورة


بزنسة الثورة

تبدع شركات التكنولوجيا في تسويق منتجاتها مستندة إلى سمعتها التي تملئ العالم. شركة أبل التي أنتجت آيفون مثالا. فبعد فترة وجيزة، وصلت الشركة مرحلة إدمان الإنتاج، وتحت وطأة تعظيم الربح، وضغط سرعة الانتشار أطلقت إلى السوق منتجات هامشية تبتز بها جيوب المستهلكين. كأن تنتج سماعات خاصة لأجهزتها، أو حقائب جلدية فاخرة لمنتجاتها، أو آلات تخزين معلومات تحمل شعارها. سيتباهى المستهلك المسكين لاحقا بأنه مغمور بمنتجات أبل.

وعلى المنوال ذاته تغزل الثورات، بأن تبدع أولا في إزاحة نظام ديكتاتوري، ثم تبدأ مرحلة إدمان الإنتاج، لكن مبكرا، فتنتج على عجل أحزابا ومغنين وملحنين وشعراء وسياسيين جددا يغنون للثورة أشعارا، أو يتغنون بها نفاقا، فتزدهر المطابع بإنتاج البوسترات، وينشغل الخياطون بحياكة الأعلام الوطنية والحزبية. وإن لم تشتر علم حزبك، فبإمكانك شراء علم الخصم لحرقه، وفي الحالتين يعني هذا نقودا للمستثمرين الجدد من الخياطين. و"الخياطون" كثر.

وفي الحالة الفلسطينية، باعتبارها أولى الثورات، مع فارق الخصوم، فقد أنتجت شعراء ومغنين ما زال كثير منهم إلى يومنا هذا يتغذون على ما تبقى، أو ”تخشب“ من شعاراتها، مستغلين إدمان الجماهير للحالة الثورية، وقدسية القضية التي لا يمس لها طرف، والذي عادة ما تترجمه حفلات لا تنقطع تنظمها شركاتهم "الفنية الثورية" كي تبتز جيوب الثوريين الجدد، أو حتى العاشقين (فالرقص كثير)، طالما أنها تنتج أغان مدبجة بكل ما تحمل الحالة من كلمات ثورية. مارسيل خليفة، وأبو عرب مثالان.

وكان ممن استفاد من هذه الحالة أيضا، مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام ٢٠٠١، رجل أميركي مشرد وجد في بيع الأعلام الفلسطينية مصدرا للرزق حين كان يحث المارة على شرائها دعما للفلسطينيين. ولما فرغت خزائنه من الأعلام الفلسطينية، وأفرغ أيضا جيوب عدد معتبر من المستهلكين المؤيدين للقضية، تحول إلى بيع الأعلام الإسرائيلية. وعندما استنكر عليه نفس المستهلكين بيع المنتج الجديد، قال لهم: ”اشتروه وأحرقوه“، فكانت فكرة مبتكرة لتعظيم الربح، فالتاجر الشاطر لا تخذله حيل التسويق، وكذلك هو "المغني الثائر" أو "الثائر المغني" الراكب للثورة.

إيراد أسماء ممن استفادوا من الثورات ليس اعتباطيا هنا، بقدر ما يجب أن يمليه على الشخص ضميره من محاكمة كل ما يمكن أن يعتبره البعض مقدسا، من شخوص ومؤسسات راكمت الملايين على مدار عقود من تاريخ ما يصح اعتباره ”متاجرة“ في جميع ”خطوط إنتاج“ القضية الفلسطينية. غزو الكوفية الفلسطينية رقاب الحسناوات في أوربا، والشباب في أميركا مثالان. مرة أخرى، مصانع الخياطة هي المستفيد الأول.

وإذا ما اتسعت الدائرة الثورية لتشمل المحيط العربي، خصوصا تلك الدول التي تشهد ربيعا لم يتوقف من ثلاث سنوات، نجد أن الحالة قد خلقت مغنين جددا يغازلون بأعمالهم الفنية الثورة (والفن أنواع، منه واحد بجانب الحيط)، ومعها يغزلون على أوتار جيوب الثوار "المفترضين" الذين يدفعون دون تردد لكل ما هو من "رائحة" الثورة كي يطربوا آذانهم. الأغاني الجماعية والفردية للكثير من الفنانين المصريين، الذين تغنوا بثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، ولاحقا بانقلاب السيسي في ٣٠ يونيو ٢٠١٣ مثال.

وفي الحالة المصرية أيضا، لكن على صعيد الكتب، أنتجت الثورة كتبا لكتاب مجهولين، ما كان يمكن لأفقر القراء ثقافة أن يقترب منها، لولا إدمان التسويق الذي ركب موجة الثورة في غفلة من خفر الوعي، بحيث سمحت لكل شيء أن يكون بضاعة رائجة، تحت اسم مقدس ”الثورة“. كتابا ”مرسي ودموعي وابتساماتي“ لمحمد فتحي، و”الرئيس الفهلوي“ لـ"الدكتور" محمد الباز مثالان. و"الدكاترة" كثر.

ولو أعمل طفل، لم يتجاوز بعد عامه الخامس عشر عقله في غوغل نسخا ولصقا، على مدار يومين (٤٨) ساعة فقط، لأنتج أفضل منهما بكثير. ولأنه في زمن الثورة كل شيء يمكن أن يكون سلعة رائجة، فمن ذا الذي يمنع أنصاف مثقفين، أو حتى أرباعهم، من استغلال الحالة؟

ثم تحول إعلاميون فجأة، ودون سابق إنذار أو تحذير للمشاهدين أو تمهيد حتى لأنفسهم، إلى ثوريين، سرعان ما أهلتهم الحالة ليكونوا سياسيين، منهم مؤيدون لأنظمة سابقة (مراسل الجزيرة السابق من القاهرة حسين عبد الغني، وهو صديق جمال مبارك، مثالا)، وآخرين مناوئين لها ”شبه حقيقين“ (الناطق باسم حزب البرادعي خالد داود). ناهيك عن آخرين كثر تركوا مواقعهم الإعلامية رغم أنه لم ير أي منهم في ميادين الثورة. ففي السياسة يكون تعظيم الثروة أسرع، إذ إن الإعلام فقير.

حتى أنت أيها الثائر الصغير في أحد ميادين الثورة، فإنه من الوارد جدا أن تصيبك لوثة البزنسة فتفتح محلاً لبيع الأعلام أو صور الثوار البارزين، أو صور من سقطوا ضحايا للثورة، أو صور السيسي ومرسي معا، وكذلك دبابيس أو "دباديب" رابعة لطالبات الجامعات. فطالما هناك من يشتري لم لا يتم استغلال آلة الإنتاج؟


قيل يوما إن الثورة قد بيعت، بعد أن زعم البعض أنها لم تعمر طويلا. وعند لحظة البيع، في أدبيات الثورات، يتوقف تعظيم الربح. لكن ماذا عمن ما زالوا يتاجرون فيها منذ عقود، ويبدعون يوميا في استغلالها واستغلال رموزها، ليس إلا لأنهم اختاروا وبعناية فائقة، كلمات مقدسة رافقتها، تبقى على قلوب الثوار العاشقين متعلقة بمن يرددها إلى الأبد.

No comments:

Post a Comment