Tuesday, December 31, 2013

المقال التلفزيوني


المقال التلفزيوني
حين يكون الرأي مُصوراً..

يوم قال فوزي بشرى إلى الرئيس المصري السابق حسني مبارك يوم تنحيه في الحادي عشر من فبراير ٢٠١١: ”اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية“، انتفضت عن مكتبي -وقد كنت حينها أعمل في الموقع الإلكتروني لقناة العربية السعودية- لدرجة لفتت نظر الزملاء الذين تجمعوا من فورهم لمتابعة ما يقول بشرى. وما أن انتهى بث "القطعة الصحفية" على شاشة الجزيرة القطرية، دار بيننا نقاش طويل بشأنها، اتفقنا في ختامه على شيئين: قوة اللغة، والرأي الطاغي على الطرح.

وصلت البيت، استمعت للتقرير مرات ومرات، ثم لمعت في ذهني فكرة أن أحول كلامه إلى نص مكتوب. أمسكت بالنص (٦٢٠ كلمة)، وقرأته مرات ومرات، وطرحت على نفسي السؤال التالي: ماذا يمكن أن نسمي هذا النوع من التأطير الصحفي للحدث؟ يعرف الدارسون للصحافة وممارسيها أن هناك الخبر، التقرير الإخباري، التحقيق الصحفي، القصة الصحفية، والمقال، إلا أن هذا النوع لا يقع في أي منها.

ومنذ ذلك الحين، انصب تفكيري على إيجاد توصيف لهذا النوع الجديد من التناول الصحفي للأحداث، لا سيما وأنه بات ظاهرة مألوفة في عدد غير قليل من الفضائيات العربية، ولمع نجمه أكثر بعد الثورات التي انطلقت في عدد من الدول العربية مطلع عام ٢٠١١. واهتديت أخيراً إلى أن أطلق على هذه الظاهرة التلفزيونية الجديدة اسم ”المقال التلفزيوني“.

في هذا المقال الأطروحة نحاول التنظير لهذا المفهوم الجديد عبر تقديم توصيف له ثم تعريف، ودواعي استعمالاته، بدايات تطبيقاته، أنماط استخداماته، أبرز نجومه، ونماذج عملية له. 

وفي هذا المقال أيضا، لا نحاكم المضامين، بل نوثق فقط لنوع جديد من الأنواع الصحفية التلفزيونية لم يكن معروفا من قبل.

توصيف
يشبه المقال التلفزيوني إلى حد كبير المقال الافتتاحي للصحف المرموقة، إذ إن الأخير يتناول رأي الصحيفة في الحدث الأبرز لليوم، ويطرح رؤية المؤسسة الصحفية من الناحية التحريرية في ما تراه تفسيرا أو تحليلا للحدث، ويعبر عن وجهة نظرها الخاصة فيه.

ويشبه المقال التلفزيوني أيضا المقال الصحفي في أن الأول يبث للمرة الأولى في نشرة الأخبار الرئيسية للقناة التلفزيونية، مثل "حصاد اليوم" في قناة الجزيرة القطرية، وذلك لاعتبارات تتعلق بالزمن في ممارسة العمل التلفزيوني.

ويقابل ذلك في المقال الافتتاحي نشره في مكان محدد وثابت في الصحيفة، وذلك لاعتبارات تتعلق بالمساحة في ممارسة العمل الصحفي المكتوب. وغالبا ما يكون موضعه في الصفحة الأولى للصحيفة، مثل ما تفعل صحيفتا "الحياة" و"الشرق الأوسط" السعوديتين.

ويعرف الممارسون في حقل العمل التلفزيوني أن التقرير التلفزيوني الذي يصف حدثا واحدا، أو يُجمل أحداثا عدة ذات صلة، أن مكوناته هي: ٥٠٪ صور، ٣٠٪ صوت، و٢٠٪ نص مكتوب.

ومثال ذلك أن التقرير التلفزيوني ذو الدقيقة الواحدة يلزمه نص من ١٢٠ كلمة فقط، وأن التقرير ذو الدقيقة ونصف الدقيقة يكون نصه المكتوب ١٨٠ كلمة. وفي حال تضمن التقرير تصريحا لشخص ما (كليب)، يكون النص أقصر، لأن الكليب يحتسب من زمن التقرير.

وبذلك، يختلف المقال التلفزيوني عن التقرير الإخباري في أمور ثلاثة: طول المادة المصورة، ولغة النص المستخدمة ومفرداته، والصوت ”الخطابي“ لقارئ النص. وهذا بدروه يتيح لمحرر المقال التلفزيوني الاقتراب كثيرا من الإسقاطات من نصوص قرآنية، وأشعار، وحكم، وأقوال مأثورة تعطي الحدث زخما أكبر، وبعدا أعمق، عادة ما يكون تاريخيا.

ولدواعي طول المقال التلفزيوني، فإنه من المفضل أن يتضمن كل ٢٠ ثانية تقريبا، صوتا طبيعا من ميدان الحدث، وهذا مهم لناحيتين: أولا إعادة جذب انتباه المشاهد للمتابعة، إذ إنه بعد ١٥ ثانية تقريبا يفقد المشاهد التركيز. ثانيا يشكل هذا التوقف القصير فاصلا يريح المتابع، ويسمح للمحرر بالانتقال إلى زاوية جديدة من الحدث.

وهكذا، فإن هذا النوع من القصص المتلفزة، لا تقتصر لغتها على الكلمات الإخبارية المعهودة، بل تذهب بعيدا في ما وراء اللغة، مدججة بالكنايات والاستعارات والاسقاطات اللغوية، بالإضافة إلى توظيف الظروف المرافقة للحدث في بعدها المكاني والزماني.

تعريف
يمكن القول أن المقال التلفزيوني هو الرأي التحريري للمؤسسة التلفزيونية في حدث بعينه، يبنى على قاعدة إخبارية، بمنطلقات تتيح للرأي احتلال المساحة الأبرز فيه، باستخدام لغة جزلة ورصينة وخطابية، غير إخبارية ولا تقريرية، وبمساحة زمنية تتخطى حدود الدقائق الخمس زمنا، والخمسمائة كلمة نصا.

أنماط
للمقال التلفزيوني أنماط عدة، يمكن أن نجملها في ثلاثة:

١- نشرات الأخبار الرئيسية
دأبت القنوات التلفزيونية الإخبارية على بث المقال التلفزيوني في نشراتها الإخبارية الرئيسية، وعادة ما يكون البث للمرة الأولى في نشرات ذورة المشاهدة (Prime Time)، والتي غالبا ما تكون مسائية. مثال ذلك ”حصاد اليوم“ في قناة الجزيرة الفضائية القطرية.

ويُقدم لهذا المقال ضمن نشرات الأخبار بمقدمة تتسق بمفرداتها وجملها مع مضمون المقال، بما يتناسب مع الرؤية التحريرية للقناة في الحدث موضوع المقال. وفي الغالب يأخذ المقال موضعا متقدما في النشرة الإخبارية (Rundown). عادة ما يكون رقم واحد.

مقال فوزي بشرى في نشرة ”حصاد اليوم“ على شاشة الجزيرة في الحادي عشر من فبراير ٢٠١١ مثالا.



٢- افتتاحيات النشرات الرئيسية
تفضل بعض القنوات التلفزيونية الاستعاضة عن المقال المصور، بأن يتم الإيعاز للمذيع بقراءة نصه فقط دون أن يرافقه صور، ويكون ذلك في مطلع النشرة الإخبارية الرئيسية. ويتبع هذا الأسلوب من البث قناتي ”الجديد“ و”المنار“ اللبنانيتين.

نورد هنا مثالا لهذا الأسلوب من قناة ”الجديد“ التي بدأت مذيعتها داليا أحمد نشرتها الإخبارية الرئيسية المسائية بهذه المقدمة بشأن المواقف العربية عن حرب إسرائيل على قطاع غزة (٢٧ ديسمبر - ١٨ يناير ٢٠١١).



وتبدو لغة جسد للمذيعة في هذه المقدمة، عبر التعبير عن الكلمات بحركات وإيماءات بوجهها تناسب النص، مهمة جدا، إذ تستعيض من خلال قوة الإلقاء عن الصور التي يفترض أن تصاحب النص، كمال هو الحال في المقال التلفزيوني المصور.

٣- مقدمات البرامج
نجد نمطا ثالثا من أنماط المقال التلفزيوني في مقدمات البرامج التلفزيونية الحوارية (Talk show)، والتي يمهد فيها مقدم البرنامج لموضوع الحلقة من الناحية التحريرية برأي القناة في القضية موضوع النقاش. إذا إن اللغة ليست إخبارية محضة، بل تتجاوز الخطوط الإخبارية إلى إبداء الرأي التحريري للقناة في القضية على لسان المقدم.

ومثال ذلك، مقدمة برنامج ”آخر كلام“ في ٢٢ مايو ٢٠١٣. والبرنامج من تقديم يسرى فودة على قناة ”أون تي في“ المصرية.



رواد
بدأت ظاهرة المقال التلفزيوني تشيع في وسائل الإعلام العربية المتلفزة مع انطلاق البرامج الحوارية في الفضائيات العربية مع نهاية التسعينات من القرن الماضي ومطلع الألفية الجديدة. 

ومع أنه لا يوجد تاريخ محدد يؤرخ لانطلاق هذا النوع الصحفي الجديد، إلا أنه بالنظر إلى مقدمات البرامج الحوارية في بعض القنوات الفضائية العربية في هذه الفترة يمكن الوقوف على بدايات بروز هذه الظاهرة إلى السطح.

ويمكن أن نشير هنا إلى مقدمات برنامج "حوار مفتوح" الذي قدم أول حلقاته على شاشة الجزيرة غسان بن جدو عام 2000، وبرنامج "أكثر من رأي" تقديم سامي حداد، وأجزاء من برنامج "سري للغاية" على لسان معده ومقدمه يسري فودة، على قناة الجزيرة.

وبدأت الظاهرة تتطور تدريجيا، إلى أن أخذت تزحف رويدا رويدا على النشرات الإخبارية في شكل تقارير. ومن بين من لمعت أسماؤهم في هذا المجال فوزي بشرى، وماجد عبد الهادي، وعباس ناصر وكلهم من قناة الجزيرة الفضائية القطرية.

إلا أن هذا "المقال الظاهرة" –والذي يصح أن نطلق عليه أيضا "الرأي المصور"- أخذ حيزا أوسع في نشرات الأخبار ومقدماتها، مع اندلاع أولى الثورات العربية عام 2010 في تونس، وما تلاها من تصاعد وتيرة الأحداث السياسية في بلدان عربية عدة أطاحت أنظمتها السياسية.

ويفتح هذا النوع الجديد من "القطع الصحفية" المجال واسعا أمام الباحثين في مضامين الإعلام التلفزيوني العربي، والمهتمين في مجال التحرير الكتابي والتلفزيوني، من أجل التأطير لهذه الظاهرة الجديدة وفق معايير يمكن لها أن تقعد لها من الناحية الأكاديمية.

لفتة: شكرا جزيلا للمعلم سعود الحركان الذي أهداني فكرة الكتابة تحت عنوان متفرد لا يوجد غيره في غوغل، وهذا واحد منها.

No comments:

Post a Comment