Tuesday, February 18, 2014

النشرة الاقتصادية.. وكأنها ”بيس أوف كيك“

النشرة الاقتصادية.. وكأنها ”بيس أوف كيك“

هل تابعت يوما نشرة اقتصادية حتى آخرها على إحدى القنوات الفضائية العربية؟ إن كنت فعلت ذلك، فهذا فعل يدعونا لأن نسألك: هل فهمت ما معنى ”النقطة“ حين تقول المذيعة أن المؤشر ارتفع أو انخفض إلى ٦٥٢٠ نقطة مثلا؟

وإن كنت أحد هواة ”المعرفة الاقتصادية“ عبر التلفاز، ورغبت في فهم أعمق لما يرد في النشرة الاقتصادية من مصطلحات أكثر، فبكل تأكيد استوقفتك كلمة مثل ”مؤشر“، وإن فهمتها حقاً فأنت ”محظوظ“.

لنفترض أنك بالفعل ”محظوظ“، وتمكنت من الإجابة على السؤالين السابقين، فهذا سيغرينا لنذهب معك إلى ما هو أعمق، ونسألك: ماذا يعني ”ارتفاع السهم“ أو انخفاضه؟ الآن تذكرت شيئا آخر: ما معنى ”السهم“؟

أراك الآن قد بدأت تحك ”بورصة“ شعر رأسك. بالمناسبة، ما هي ”البورصة“؟ وهل هناك فرق بينها وبين ”سوق الأوراق المالية“؟ إن نجحت في الإجابة على أسئلة هذه الفقرة -باعتبارك مشاهدا عربيا بسيطا للفضائيات العربية- فأنت لست ”محظوظا“ فقط، بل ”ابن محظوظة“!

وأنت تقرأ هذه الأسئلة، أعرف أنك تتوقع الإجابة عنها. لكن يؤسفني أن أقول لك إنه كنت تتوقع الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها مما تقذفنا بها مذيعات النشرات الاقتصادية في الفضائيات العربية يوميا صباح مساء، فأدعوك إلى التوقف فورا عن متابعة القراءة، فهذا المقال لن يشفي غليلك باعتبارك مشاهدا عاديا، تماماً كما هو أنا.

فمنذ أيام، دأبت -باعتباري مشاهدا عاديا وبسيطا- على متابعة النشرة الاقتصادية في أكثر من فضائية، في محاولة لفهم ما يرد فيها من مصطلحات، لا فهمها هي بالتحديد، إلا أن محاولاتي هذه باءت بالفشل، وكنت أخرج على الدوام بـ”صفر معرفي اقتصادي“ كبير.

عدم الفهم هذا، دفعني لأستعين بأكثر من زميل صحفي ممن يشتغلون منذ سنوات بالأخبار الاقتصادية، وسألت بداية عن معنى ”النقطة“. من بين أربعة قال لي واحد إنها ”وحدة قياس“، تشبه تماماً كلمة ”سيلزيوس“ أو ”فهرنهايات“ وحدة قياس درجة حرارة الطقس. الثلاثة الآخرون لم يعرفوا معنى ”النقطة“!

قال لي أحد الثلاثة -في محاولة لتبرير عدم معرفته على ما يبدو- إن النشرة الاقتصادية هي فقرة متخصصة وموجهة بالأساس إلى ذوي الخبرة في مجال الاقتصاد والعارفين فيه. قلت: مادام الأمر كذلك، لماذا تبث ضمن قنوات فضائية عامة موجهة بالأساس إلى جمهور عربي أكثر من ٦٠ في المائة منهم أميون؟ أليست مهمة الإعلام أن يبسط ما هو معقد من الأشياء للعامة؟ 

ولو افترضنا أن الأربعين في المائة المتبقين متعلمون، فكم واحد منهم يا ترى على درجة عالية من الاختصاص في الاقتصاد كي يعي النشرة ويفهم مقاصدها؟ ولو اعتبرنا أن عشرة في المائة من بين الأربعين في المائة مختصون اقتصاديون، أو متابعون جيدون للنشرة الاقتصادية، فهذا يعني أن النشرة موجهة إلى واحد في المائة فقط من الجمهور العام.

السؤال: لماذا تهتم القنوات الفضائية العربية بجمهور لا تتجاوز نسبته واحد في المائة في نشراتها الاقتصادية وتترك  ٩٩ في المائة من الجمهور العام ضحايا عدم المعرفة؟ إلا إن كانت تنظر إلى نشرة الاقتصاد على أنها ”تعبئة هواء“!

أعتقد أن النشرة الاقتصادية ستكون مجدية أكثر للجمهور العام لو ارتبطت أكثر بطرح قضايا من قبيل أسعار رغيف الخبز، وقنية الزيت، وكيلو الطماطم، ولتر البنزين، والخدمات العامة مثل الكهرباء والماء والاتصالات.
وستكون النشرة الاقتصادية -في رأيي- مفيدة أكثر، ولها جمهورها الأوسع، إن طرقت موضوعات من قبيل تكاليف المدارس، ورسوم الجامعات، وتعرفة المواصلات العامة، وضريبة السكن، وفاتورة تلقي العلاج.

هذه الأشياء وغيرها مما تشكل هاجسا يوميا لغالبية أرباب الأسر في مجتمعاتنا العربية التي يعاني بعضها من نسب فقر تتجاوز في المتوسط الستين في المائة، وبطالة تزيد في المتوسط عن الأربعين في المائة، تكون الدعوة معها ملحة لأن تركز القنوات الفضائية العربية جهودها لطرق قضايا هذه النسب العريضة من العامة، وأن تترفع قليلا عن ”طبقية“ التناول الاقتصادي للموضوعات.

بالمناسبة، ما معنى ”الصكوك“؟ وما معنى ”السندات“؟ وهل هناك فرق بينهما؟

وإلى حين أن يجيبنا القائمون على النشرات الاقتصادية في الفضائيات العربية على هذه الأسئلة وغيرها، سيبقى العامة بعيدين عن فهمها بنفس المسافة الفاصلة بين فهم المختصين ”للنقطة“ وهاجس الفقير بسعر ”رغيف الخبز“!

No comments:

Post a Comment