Friday, February 21, 2014

هذا ما تفعلهُ بِكَ الغُربَة..

هذا ما تفعلهُ بِكَ الغُربَة..

حين ترتدي قميصا جديدا، ولا يعني لك شيئا كل من يلفت انتباهه جديدك، إلا واحد بعينه تريده أن يقول لك ”قميص جميل“ فلا تجده.

حين تنجح في درب من دروب الحياة، فلا تحفل بكل مباركات من تعتبرهم ”كماً مهملاً“، طالما أن واحداً بعينه تريده أن يقول لك ”مبروك“ فلا تجده.

حين تحقق إنجازا فيبادلك ممن تعتبرهم ”عابرون“ كلمات الإطراء، وفي قرارة نفسك أن كل هذا لا يعني لك شيئا، ما لم يقل لك شخص بعينه كلمة تَجبُ كل هذا المديح المؤقت، فلا تجده.

حين تتوالى عليك الأعياد، وتتخطاك المناسبات السعيدة واحدة تلو الأخرى، فتستجدي التهاني عبثاً ممن تفترض أن يُشعرك بوجودها، وفي بالك لفتة من نوع خاص من أحد يعني لك الكثير، فلا تجده.

حين ترتدي بدلة إيطالية، وربطة عنق باريسية، وحذاء إنجليزي أنيق، وتندس بين الزحام، فيمر من حولك الناس دون أن يعني لهم ذلك شيئا، وتبحث بينهم عمّن فعلت هذا لأجله، فلا تجده.

 حين تلقي نكتة مستجدياً ضحكات الآخرين، وتعرف أنها كلها زائفة، في محاولة لإثبات خفة ظلك، وتبحث بين غوغائية الضحك عن واحدة بعينها تدخل السرور الحقيقي إلى قلبك المكسور، فلا تجدها.

حين تقرأ كتابا تلو الآخر، رواية، فكرا، فلسفة، تاريخاً، سياسة، إعلاماً، حتى كتب الأطفال، ثم تحدوك الرغبة في  مناقشة هذا الكم المعرفي مع من تفترض فيه ثقافة، وفي خاطرك شخص بعينه لن يشفي غليلك إلا هو، فلا تجده.   

حين تكتب نصاً وراء نص، وفي النص ملاذ أخير تركن إليه لاستجلاب سعادة مصطنعة وسط كل هذا الهم، فيقرأها كثيرون، ولا تعني كل كلمات الإطراء التي تدبج بها شيئاً، ما لم تأتِ من قارئ بعينه، تبحث عنه، فلا تجده.

حين تحصل على درجة علمية عالية (ماجستير أو دكتوراه)، فلا تعني لك أحضان الزملاء وتبريكاتهم وملاطفاتهم شيئاً، طالما أنك تريد أحداً بعينه إلى جوارك في هذه اللحظة بالذات.. تنشده، تبحث عنه بين زحام الوجوه،  فلا تجده.

حين تجتهد في تطوير عملك، وترتقي سلماً مهنياً حفراً في صخر الحياة، فلا يعني هذا شيئاً لمن حولك من أنصاف المتعلمين، حاملي الشهادات المزورة، ممن لا تعرف تاريخاً مهنيا ولا علمياً لهم، وتريد أن يبرر لك أحد بعينه كل هذا التناقض، فلا تجده.

حين ترى كثر من مدعي الثقافة، وحديثي العهد بمهنتك، يتولون مناصب تعلوك، ثم يأتي أحدهم ليشرح لك بتفصيل البلهاء شيئاً مما قد تلقيته حين كان هو غائب عن الكون في مجاهل الأرض، ثم تبحث بين كل هذا الكم الغث عمّن يلامس فكرتك في الحياة، فلا تجده.

حين يذكرك أحدهم برسالة نصية بيوم ميلادك، فتنظر إلى الأجندة السنوية للتأكد من صحة هذا التاريخ، بعد أن سقط من ذاكرتك الشخصية منذ سنوات، ثم تنظر في مرآة الكون بحثاً عمّن تحتفل معه، فلا تجده.

حين تتلمس جيبك الخلفي في اليوم عشرات المرات، ولو حصل إن لم تجد المحفظة لأنك وضعتها في حقيبتك مثلا، فهذا يعني سقوطاً مفاجئاً لقلبك بلحظة في أخمص قدمك، ثم تبحث عمّن يواسيك في هذا الموقف، فلا تجده.

حين تصحو بعد ساعات طويلة من النوم، واليوم يوم إجازة، ثم أول ما يتبادر إلى ذهنك السؤال التالي: لماذا أنا صحوت؟ تتناول فطورك مما تجود به الثلاجة، ثم تخرج بحثا عمّن تقضي معه يوماً جميلاً، فلا تجده.

حين تجوبُ بسيارتك شوارع المدينة المقفرة ليلا ونهارا، بلا محطة تَوقُفْ تنشدها، تهبط ودياناً، وتعلو سهولاً، لتجد نفسك فجأة في مواجهة الشاطئ. تترتجل حتى تصل البحر. تناجيه بأن يرسل لك من تحب، فلا تجده.

حين لا يُغادِركَ الملل إلا بقرار منه، إن تذكر أن يقرر، فالملل ظل المغترب، ولذا فإن الشمس بالنسبة له تعنى مأساة جديدة في عِدَاد الأيام. تحاول قتل الملل بالتيه في زحام الوجوه بحثاً عمّن تلقي في جيبه هذا الحمل، فلا تجده.

حين تصلك رسالة نصية قصيرة نهاية الشهر تخبرك بتسلم الراتب، فلا يعني لك هذا خبراً سعيداً، ثم تخرج عن نطاق تفكير جسدك جغرافياً، باحثاً عمّن تشتري معه، وتقاسمه ولو جزءاً يسيراً من سعادة مكدسة على أرفف متجر الحياة، فلا تجده.

حين تَسقطُ مِنكَ أشياءٌ، ويَتسربُ من بين يديكَ كثيرٌ من متاع، فلا تلتفت لما سَقطَ أو تسرب، إذ إن قانون الغربة يدفعك على الدوام إلى مواصلة المسير وعدم الانحناء أو حتى الالتفات للخلف، وإن فعلت فهذا يعنى موتك المحقق  تحت أقدام الآخرين... وهكذا، فإنه عندما تَفقِدُ المعنى، لا تَسَلْ عن القيمة، ولا حتى الثمن.


2 comments:

  1. ذكرتني بمشاعر عشتها لسنوات .... قرب الله اليك من تحب

    ReplyDelete
  2. لما الحياة تفقد كل معانيها ويصير كل شي وهم، سياسة اقتصاد اجتماعيات ثقافة تاريخ كلها صور مصورة، والصورة الحقيقية مخفية.

    ReplyDelete