Monday, May 25, 2015

العبيد الجدد


العبيد الجدد
الأشياء.. استخدمها، لا تدعها تستخدمك

 لم يكن مطلوباً من حسن أن يكون عبدا أكثر مما هو عليه اليوم، لو لا أنه اخترع أدوات عبوديته بيديه: فيسبوك، تويتر، غوغل بلس، إنستغرام، يوتيوب... وكل من سار في فضائها الافتراضي.

وفي الافتراض، أوجد حسن لنفسه مساحة من "الفنتازيا"، أكبر وأوسع بكثير من تلك التي يمنحها له خياله المنطقي. وهناك، كان يمارس هوايته -التي لا يرقبه فيها أحد- بالقفز في "هواء الجُمل"، وسط سعادة غامرة، يتمنى ألا تزول.
يقفز، وفي كل مرة تروق له جُملة من تلك المغلفة بـ"روح الحكمة"، أو ترتدي "زُخرف الكَلِم"، يمسكها بين يديه، ثم يهبط بها فرحا، ويقذفها في "وجوه افتراضية"، يطلقون عليها بالإنجليزية  FaceBook

ولأنه يصعب في الافتراض الانعتاق من أدواته، إذ إنها غير مرئية، فما أن يستخدمها حسن في كل مرة، حتى تستخدمه هي أكثر فأكثر. وفي لحظة ما من التجريب، يدمنها، ويتوارى خلف ستار ذاته أن "أول الرقص حنجلة".

 هي بدورها –الأدوات الافتراضية- تغريه ليغرق في الإدمان أكثر فأكثر، إلى أن يصبح "عبدا" في رحاب التكنولوجيا، والتي ما أن طورت أداة، إلا وأفرزت معها نوعا خاصا من "العبيد الجدد"، لدرجة أنه بات لا يقوى أن يصرخ في وجه كل أدوات عبوديته هذه: لا.

يُعجب حسن فكرة الإبقاء على القفز في الهواء طوال اليوم، متنقلا من عالم افتراضي إلى آخر، إلى أن ينهكه التعب، بعد يوم طويل، لم تتحدث فيه سوى أنامله، إلى لوحات مفاتيح أدواته.


حلم ١
ينام على طنين رسائل الإعجاب، وزقزقات المغردين، وأصوات برقيات المعلقين. وأبرزهم صديق له في الولايات المتحدة اسمه سعيد. ومع كل طنة ورنة، تتدغدغ جفونه أكثر وأكثر، فينام، لتحيله إلى حلم، يأخذ إليه كل تفاصيل يومه.

وهناك -في الحلم- يقف حسن أمام مشهد سيدرك معالمه لاحقا، لكنه يبدو له للوهلة الأولى غير مألوف. يبدو له العالم الافتراضي هكذا: سيد يجر عبده إلى سوق الرق من رقبته بحبل طوله 3 أمتار، بعد أن دهكه الاسترقاق لسنوات.

يُحرك حسن جسمه النائم على سرير الحلم من اليمن إلى اليسار، وبينما هو على هذه الحالة يغمغم بكلمات غير مفهومة، ويخال له أن ذلك الحبل القديم قد كان كائنا حيا، تطور مع الزمن، وها هو الآن ينسج خيوطا أخطبوطية تلف جسمه الذي تتربع فوقه رأس ثقيلة.

يشعر قليلا أن الحبل يحز رقبته.

يرى كيف كان يذهب به سيده للسوق وحيدا، وإن حصل وكان معه آخرون فلا يتجاوز عددهم الخمسة. يقارن ذلك بما يَجره السيد الواحد اليوم من ملايين. يلمح في المشهد الأول ”عبودية كريمة“، فتنبت ضحكة على شفتيه ويتمتم: follow, followers ”تابع ومتبوع“. وبرفق يقلب جسمه من اليسار إلى اليمين.

يشتد حز الحبل حول رقبته.

يتقلب حسن وكأن أرجوحة الحلم تعبث به يمنة ويسرى، ومع كل حركة يهتز لها رأسه جيئة ورواحا، يزداد شد الحبل حول رقبته ويحزها بقوة أكثر.

يهتدي إلى أن ربطة العنق -التي تطوق رقبته قبل الذهاب إلى عمله يوميا في أحد البنوك- تطور وراثي فرضته عوامل الطبيعة على الحبل الذي كان يجره به سيده في غابر الزمان. يحاول أن يبعد هذ الفكرة من رأسه ويعتبرها من ”فنتازيا الحلم“، فلا يقدر.

يغوص حسن في النوم أكثر فأكثر، محتضنا وسادته، ويذهب في الحلم إلى ما هو أبعد. ويتراءى له الكون مرآة كبيرة، يرى الواحد فيها نفسه اثنان، لكن مختلفين.

يردد حسن في نفسه: أأنا اثنان؟

يقترب حسن من نفسه، ويتفحصه. يقترب أكثر ويمعن النظر بحثا عن فوارق فيه. يقترب أكثر فأكثر وبخطوات أسرع هذه المرة إلى أن يرتطم أنفه في المرآة فجأة مع أنفه بقوة، فينكسر الزجاج ويسقط على قدميه، ويستيقظ من حلمه على صوت تحطمه. لكنه لم يعِ بعد أي الحسنين الذي تهاوى وتحطم.


الرحلة
يتوق حسن للقاء سعيد. وسعيد واحد من أولئك الذين يستملحون العبارات، ويعشقون الكلام المنظوم، وتبهر أعينهم إكسسوارات الحرف، التي تجلب عشرات علامات الإعجاب في دقائق معدودة، وفي ذلك تهافت كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.

كان حسن معجبا بكل ما يكتب ”ساحبه“ الافتراضي سعيد، ويتعب عقله في إيجاد ما هو أقوى من الكلمات للتعليق على ما يدبج به ”حائطه“.

يوما بعد يوم، يدمن حسن كلام سعيد، لكن بالعين. وإن أدمنت العين شيئا قادت العقل وبقية الجوارح إليه. والعين في عالم الافتراض تختصر الحواس كلها، إذ لا عقل يكاد يبين، ولا قلب يدل على طريق.

يرى حسن في هذا النسج الخيالي اليومي عن سعيد طوق نجاة يقربه رويدا رويدا من اللقاء به، لكن شعورا غريبا مشوبا بالهيبة يجتاحه كلما لمعت في ذهنه هذه الفكرة.

وكان حسن دائما يبرر رفضها بالبعد الجغرافي الذي يفصل بينهما. فحسن يسكن القاهرة، وصديقه سعيد يتخذ من مدينة سان فرانسيسكو، في ولاية كاليفورنيا، بالولايات المتحدة مقرا لإقامته، بعد أن هجرت عائلته اليمن قبل 23 عاما.

تدفع عين حسن عقله، وتضغط عليه، أكثر فأكثر من أجل عرض فكرة اللقاء على سعيد. تنتصر العين، إذ إنها في معركة الشبكة العنكبوتية لا ترى مما يرسم من شراك مخبأة، إلا ما هو ظاهر من جمال إتقانها الخارجي.

يصحو حسن في اليوم التالي وقد استقر لديه أنه سيحدث سعيدا بعد انتهاء يوم عمله في البنك بشأن اللقاء. لكنه يؤجل الحديث مع سعيد إلى حين عودته من العمل.

وما أن يدخل البيت، يفتح حاسوبه. يحرر بيمناه رقبته من ربطة العنق. يخلع نعليه على باب الوادي الافتراضي المقدس. يلتهم الكرسي جسده الثلاثيني النحيل. تغوص غضاريف أذنيه في سماعة ضخمة. يميل ظهره قليلا، فتستند رأسه على حافة ظهر الكرسي.

ويبدأ في الكتابة إلى سعيد عبر فيسبوك. وبعد السلام والترحيب يتفاجأ حسن بجرأته في طرح فكرة اللقاء على سعيد وبهذه السرعة، لكن ملؤه الشك بأن صديقه سيتقبل الفكرة.

للوهلة الأولى ينتاب سعيد شعورا غريبا. يبتعد قليلا عن شاشة حاسوبه، يعدل جلسته، يضع مرفقيه على الطاولة بزاوية حادة، يسند صدغيه على راحة يديه، ويحدق في جملة حسن: تعجبني كثيرا كلماتك، وأتوق جدا لزيارتك، وسأكون فخورا بالتعرف عليك.

يقرأ سعيد الجملة مرة واثنتان وثلاثة. ثم يعيد قراءتها كلمة كلمة. يقلب سعيد الأمر في رأسه لدقائق معدودة، قبل أن يرد على حسن بالقبول، بعد أن استقر لديه ألا شيء سيخسره من زيارة صديق افتراضي، سوى فنجان قهوة أو كوب شاي.

طار حسن فرحا حين رد عليه سعيد قائلا: أهلا وسهلا بك أنا في انتظارك في أي وقت.

يصعد حسن درجات سلم الطائرة بهمة وتبختر وهو يدندن لإبراهيم ناجي على لسان أم كلثوم ”واثق الخطوة يمشي ملكا“، وقد بدأ يعد تنازليا تلك الخطوات التي بينه وبينه سعيد في رحلة الألف ميل: ١٠٠٠، ٩٩٩، ٩٩٨، ٩٩٧... إذ إن في العد التنازلي راحة حلوة ولذة غامرة يوحي بها العقل كذبا للنفس للتخلص من وطأة المسير وثقل الوقت.

يرتقي حسن الطائرة. يعبر الممر بسرعة بين المقاعد المتراصة على جانبيه إلى أن يصل مقعده. يزيح حقيبة صغيرة عن كتفيه، يلتقط منها كتابا يؤنسه في رحلته، يغلق الحقيبة ثم يلقيها في رف أعلى المقعد، ويرمي جسده النحيل بالمقعد متعبا.

يقرأ حسن كثيرا، فما أن ينقضي أسبوع حتى يكون قد انتهى من قراءة كتابين على الأقل، رغم ذلك فإنه لا يعتبر نفسه قارئا نهما، ويعتبر ذلك جزءا من التواضع الذي تفرضه عليه طقوس الحياة المعبئة بهواء النفاق، كلما امتدح أصدقاءه حبه للقراءة حين يجلس إليهم.

يفتح كتابه وينهمك في القراءة. وما أن تستوي الطائرة في السماء، وتأخذ مسارها الأفقي، تبدأ جفونه بالارتخاء، فيسلم مؤخرة رأسه للحافة العلوية للمقعد، ويلقي الشق الأيسر من جسده على الغلاف الداخلي  للطائرة، وترتخى يداه على جانبيه، ويسلم نفسه للنوم ويغرق في أحلامه.


حلم ٢
تمر أمام عيناي حسن تفاصيل ٣ سنوات افتراضية قضاها في التواصل مع سعيد، وكأنه يستعرض فيلما من الخيال. وها هي الأقدار تجمعهما على أرض صلبة هذه المرة، لا في عالم الافتراض. يجلسان في اليوم الأول خمس ساعات على وجبة غداء، يسترجعان فيها بعضا من ذلك الماضي الافتراضي. والساعات الخمس وقت جد قليل، وبالكاد تكفي لاستعراض العناوين العريضة لفترة ممتدة من ٣ سنوات.

ينتهي اللقاء الأول وقد وقع في قلب حسن شيء غريب من سعيد، تزامن مع مغص خفيف في بطنه. يقنع حسن نفسه: ربما من الطعام.. ثم يردد في داخله وبقوة: لا لا ليس من سطحية كلام سعيد!

يحدق حسن في وجه سعيد الممتلئ ذو البشرة ناصعة البياض، ويحاول أن يذيب سواد ما علق من الموقف في تلك الصورة الوحيدة التي تحملها صفحته في فيسبوك.

لقاء ثان في اليوم التالي، ويندلع الحديث في السياسة والاقتصاد والثقافة والأدب والحياة. ضحك حتى الثمالة، وضربات كفوف لا معنى لها، كل ذلك مصحوبا بسيجارة تلو الأخرى.

وعلى هذا المستوى، بل أكثر، يتمنى حسن أن يكون اللقاء مع سعيد. فلقد رسم له في ذهنه صورة محفوفة بالفخامة الثقافية التي تليق بشخص لا تعرف صفحته في فيسبوك سوى العبارات الثقيلة والحكم الدسمة، وهو ما كانت تكاد تضيء له عينا حسن.

ينقضي وقت اللقاء الثاني، ويعود حسن إلى الفندق بعد أكثر من 7 ساعات وقد تصدع رأسه بشدة. يحاول أن يقنع نفسه: ربما من كثرة ما تحدثت! يرتد إليه صوته الداخلي: هل من المعقول أن يكون من تفاهة ما نم عنه الحديث مع سعيد وضحالة تفكيره وركاكة عباراته!

قبل اليوم الثالث والأخير من اللقاء، قرر حسن أن ينام مبكرا، ليأخذ قسطا وفيرا من الراحة يعينه على التركيز أكثر مع سعيد. فقد أكلت الشكوك ما تبقى لديه من صورة ذهبية افتراضية رسمها على مدار 3 أعوام عن سعيد.

وما أن توسد المخدة، حتى بدأت الهواجس تحوم في رأسه بشكل يكاد يدوخه، لترسم صورا مختلفة لسعيد، يجمعها كلها أنها تنتهي بعلامة استفهام كبيرة يتدلى من النقطة التي أسفلها سعيد، وهو يصرخ طالبا النجدة من السقوط في الوهم الافتراضي.

يخشى حسن أن يظلم سعيدا، فهو لا يريد الحكم عليه من مجرد المقارنة بين ما يقوله عند لقائهما، وبين ما يكتبه في فيسبوك. لا يريد أن يحدد علاقته معه بناء على يومين فقط من اللقاء، رغم صدمته.

يرتد صدى صوت حسن الداخلي إليه: لكن هذا الشخص شخصان، يكتب أشياء ليست فيه. يكتب أشياء لا تحمل مطلقا ما ينطق به! يتفوه بكلام تافه، ويكتب على حائطه أرقاه.

فهل تكون الجمل التي "يلطخ" بها جدار حائطه في فيسبوك مسروقة؟ تسللت إليه كلمة "أكيد"، لكن صداها تردد داخله: "ربما"!

ينام حسن والهواجس ما زالت تساوره. وفي اليوم التالي يستيقظ وهو بكامل نشاطه. تناول إفطاره، وأسدل على جسمه هندامه، والأهم أنه صفى ذهنه تماماً، بموسيقى عالمية هادئة بيضاء.

يبدأ اللقاء الثالث، وفي بال حسن أمنية بألا يكون الأخير. لكن رياح الأقدار كثيرا ما تهب عكس أمواج الأمنيات.
يأتي حسن، فيقف سعيد عن كرسيه نصف وقفة، يتلوى لها جسمه، ويصافحه بنظرة نصفها في شاشة هاتفه المحمول، ونصفها الآخر في وجه حسن.

يسند سعيد ظهره إلى الكرسي، وعيناه ما زالتا على شاشة هاتفه. تمر الدقائق الواحدة تلو الأخرى، وسعيد لا يعير اهتماما لوجود ضيفه حسن. الأمر بدأ يزعج الأخير الذي يحاول أن يفتعل أي حديث يجذب به سعيدا، فيسأل أسئلة اعتباطية.

-         حسن: هل وجدت عملا جديدا؟
-         يبادل سعيد حسنا ابتسامة باردة ويقول: لا. ثم ينهمك بناظريه في شاشة هاتفه المحمول.
-         حسن: هل اشتريت تذاكر السفر. فقد أخبرتني مرة أنك ماض في زيارة أخيك في إسبانيا.
-         سعيد متمتما، زاما شفتيه، مصدرا صوتا يشبه حرف الميم المكتوم بينهما، قبل أن يفتحهما قليلا ويقول: لا.
سعيد لم ينظر هذه المرة إلى حسن، وهو ما استشاط له الأخير غضبا.

يتنهد حسن، وتخطر في باله أن يحرك رجله اليمنى المعلقة فوق اليسرى، وفي الطريق تضرب رجل سعيد، فينتبه الأخير له.

يفعل.. لكن هذه الحركة -التي حمّلها حسن جزءا من العفوية المقصودة- لم يتحرك لها حتى رمش سعيد.

يرتفع مستوى الغضب عند حسن، وتبدأ الأفكار في الغليان داخل دماغه، إلى أن يعتليها زبد مختلط بصورة مشوهة لسعيد.

وبمعول القرار يحاول سعيد رفع الزبد والزج به في سلة قمامة حديدية كبيرة قبالته، يجملها رسم هو عبارة عن باقة من الورود البيضاء والحمراء. يبتسم، ويحاكي نفسه: ما حق لك أن تكون حتى في "زبالة تلفها الورود".

يلج حسن إلى فيسبوك، حيث يحلو لسعيد كتابة حكم للفلاسفة فقط، ويتذكر حسن تلك الأيام التي كان يتوق فيها للقاء هذا الصديق الذي ينتقي من الكلام أجمله، وحسبه أنه ملهم له، وقدوة حياة ارتضاها لنفسه ورضي بها. لكنه على وشك أن ينسف هذا كله.

يحرك حسن نظره حركتين: واحدة على ما يكتب سعيد في فيسبوك في هذا اللحظة، ويحدق في الثانية في وجهه.
يكتب سعيد مثلا: إذا فشلت في رفع أحد لمستوى أخلاقك فلا تدعه ينجح في إنزالك لمستوى أخلاقه" (جورج برنارد شو).

طبعا سعيد يكتب جملا دون ذكر أسماء أصحابها، فتحسب أنها له، لدرجة يحق لك أن تقول في الرجل أنه "مُجرب". ومن عادة المجربين أن يختصروا السنين في حكمة من سطر أو اثنين. وكان هذا واحدا من الأسباب التي جعلت حسنا مقتنع جدا بحكمة سعيد ورزانته.

سعيد يكتب: أنا أنظر إلى المزايا الحسنة في الناس، ولأني لا أخلو من العيوب لا يفترض أن أتكلم عن أخطاء الآخرين" (غاندي).

يقرأ حسن العبارة التي كتبها سعيد للتو في فيسبوك، فتتكاثر علامات الإعجاب على الجملة وكأنها الذباب على قطعة حلوى. وما كانت لتكون تلك الجملة حكمة إلا لأن شخصا مشهورا قالها، رغم أن مضمونها فطرة مزروعة فينا تدوم ما لم يدنسها رجس الحياة.

سعيد يكتب: يا بني إذا افتخر الناس بحسن كلامهم، فافتخر أنت بحسن صمتك (لقمان لابنه).

حسن يقرأ ويقول في نفسه: أستغرب من إدمان انكباب الناس على ترتيل الحكم بمناسبة ودون مناسبة، حتى وإن كانوا يطبقونها، فلم تشويهها بكثرة الحديث عنها. فما من شخص يؤكد شيئا مرتين إلا وفي داخله ما يهزه... وبقوة.
وبينما يلقي حسن نظرة سريعة في وجه ما يسطره سعيد في صفحته في فيسبوك، وأخرى أسرع في وجه سعيد المتبلد، يبدو وكأنه يسابق عقرب الثواني في الساعة من سرعة الحركة مع مرور الوقت.

ومع تكرار النظرات، السريعة منها والأسرع، تختلط في منتصف الطريق الأشياء وتتراءى لحسن صورة مسخ، كاد يحسبه دوار في الرأس، لولا أنه تناول فطوره منذ قليل، وأتبعه بكوب قهوة عدل ما كان مكسورا من مزاجه، فضلا عن أنه قد نام بما يكفي ليكون في كامل قواه.

يمتد صمت حسن، وكذلك يفعل سعيد.

يكتفي حسن بالنظر إلى عدسات نظارة سعيد، وبينما يحرك سعيد صفحته في فيسبوك نزولا، تنعكس حركتها المضيئة في هاتفه عبر نظارته صعودا.

يرى حسن في المشهد ما ينم عن ازدواجية في الوجهين، إذ كيف لإنسان أن يحرك الأشياء إلى أسفل فتبدو وكأنها تصعد، إلا إن كان هذا الإنسان يحمل وجهين مثل سعيد. لكن، هل للإنسان وجهين؟ يجيب حسن: هذا ما أجابت عنه إفرازات التكنولوجيا، مثل فيسبوك، وإخوته.

تدغدغ الحركة عيني حسن، ليظهر له من جديد علامة استفهام ضخمة ملؤها صور لسعيد، الذي يتدلى بدوره من النقطة التي أسفلها، وهو يصرخ طالبا النجاة من السقوط في الوهم الافتراضي.

كان حسن قد اتخذ قراره، بدون تردد، وأفلت يد سعيد، ليسقط سقوطا حرا، وتتكسر أحرفه الافتراضية. وكان ذلك إيذانا باستيقاظه من الحلم على صوت ارتطام عجلات الطائرة بمدرج مطار سان فرانسيسكو الدولي بولاية كاليفورنيا.


الوصول
فرك حسن عينيه بقوة، ثم مسح براحتي يديه جلد وجهه في كل الاتجاهات محاولا إزالة آثار النوم، بعدها رفع يداه وهو يتلوى في كرسيه متمغطا، حتى كادت يداه تضربان سقف الطائرة، وكأنه يتلمس حقيقة تزيل عنه آثار ”الحلم الكابوس“ الذي لم تتبسم له سحنته، ولا حتى استلذ له جسده، رغم أن التمغط بعد نوم عميق وحلم أعمق يمنح النفس لذة غير معهودة.

تلمس محفظته، وأخرج منها وريقة كتب عليها عنوان سعيد، فقد قرر حسن أن يجعل لقاءه الأول مع سعيد بلا اتصال، وأن يكون هو المفاجأة السارة التي حضرها لصديقه. وقد ساعده في ذلك أن العناوين في الولاية دقيقة ولا يخطئوها أي سائق تاكسي إن قرأها.

أعطى السائق الورقة، فقرأها، وقال له: عشرون دقيقة ونكون أمام باب المنزل ما لم يكن هناك زحاما.
انطلقت السيارة وبدأ حسن يرتب نفسه. خلع لفحة مخملية كان يلفها حول رقبته، إذ إن الشهر يناير، والحرارة 6 درجات مئوية. ثم خلع نعله، واستبدل جواربه بأخرى نظيفة التقطها من حقيبته الصغيرة.

بعدها نزع قميصه ولبس واحدا جديدا، طربت للمظروف البلاستيكي الذي كان فيه أذنا السائق الذي قال له: يبدو أن اللقاء سيكون حميميا!

ابتسم حسن بينما كان يخرج من حقيبته علبة عطر، وقال للسائق جملة مقتضبة: هذا صحيح.

وفي مرآة السائق الأمامية رتب بمشط صغير ما تناثر من شعره إثر وعثاء السفر، وأسند ظهره للكرسي، وبدأ يقلب في هاتفه النقال.

تخترق السيارة طريقا تحفه الأشجار العالية، وكأنها قُدّت من غابة كثيفة، فيتبادر إلى ذهن حسن سؤال: هل شُق الطريق ثم نبتت الغابة؟ أم أن الطريق شق لاحقا وسط الغابة؟

صمت لا يخترقه سوى صوت عجلات السيارة التي تسحق أوراق الأشجار اليابسة على جانبي الطريق، وطقطقات أصابع حسن على لوحة مفاتيح جهازه الذكي المحمول.

يبطئ السائق سرعته، فيبدأ صوت هرس الأوراق تحت دواليب السيارة يعلو شيئا فشيئا، إيذانا بالوصول إلى المكان المنشود.

يترجل حسن من السيارة، ينقد السائق أجرته، ثم تتهادى يداه على أطراف سترته مقتربا من الباب ويدق الجرس، فيطل عليه بعد لحظات رجل يرتدي سروالا أزرقا قصيرا يعلو ركبتيه بقليل، وقميصا داخليا أبيضا يكشف عن يديه وأكتافه وصدره وأسفل كرشه الذي يتكور أمامه وكأنه امرأة حامل.

الرجل: نعم

حسن: أنا صديق سعيد وجئت لزيارته

الرجل مناديا: سعيد.. سعيد.. سعيد.. شخص يقول إنه صديقك اسمه حسن ينتظرك.

سعيد بصوت غائر متحشرج يشبه صوت سكير ثمل: نعم يا بابا.. أنا قادم.

وأمام هذا المشهد دارت الأرض بحسن:

ظهر طفل في الممر خلف والده، لم يتجاوز –على الأرجح- عامه العاشر. في الطول لا يزيد عن متر واحد. يفرك عينيه مبعدا النوم عنهما، حافي القدمين وقد ارتدى سروالا طويلا، تعلوه انتفاخة دائرية واضحة.

لم يشك حسن ولو للحظة أن سبب انتفاخ وسط الطفل حفاظة، بعد أن عاين أشياء أخرى فيه، منها مثلا شعر أصفر خفيف ناعم خط خطا رفيعا لا يكاد يظهر إلا لمن يمعن النظر، فيما يشبه الشارب في بداية تشكله قبل البلوغ عند الذكور.

احتضن الولد رجل أبيه اليمني بيده اليسرى، إذ إن رأسه بالكاد تصل إلى وسط جسد أبيه، ومد يده اليمنى إلى حسن وبعينين شبه مفتوحتين مسلما: كيف حالك حسن. حمد لله على سلامتك.

ذهل الأب من معرفة ابنه لشاب في الثلاثين من عمره، ودارت في رأسه الأسئلة عن الطريقة التي يمكن لشاب من خلالها أن يغرر بطفل ربما يريد استغلاله، ولم يدر في خلده أن الشاب هو الضحية.

دارت الأرض دورة ثانية بحسن، وهو يتلقى الصدمة عن ومن صديق افتراضي قضى معه ثلاث سنوات من الانبهار، دون أن يساوره الشك ولو للحظة أنه سيكون أمام هذا المشهد المسخ.

أغمض حسن عينيه وهو ما زال واقفا مشدوها أمام منزل سعيد الذي ألح عليه والده بالدخول، بينما هو لم ينبس ببنت شفه، وأخذ يسترجع حلمه الأول، وحلمه الثاني، ويقارنهما بكابوس اليقظة هذا، متمنيا أنه لو قدر له ألا يستيقظ منهما فلربما كانت خاتمتهما أفضل من التي هي ماثلة أمامه الآن.


أدار حسن ظهره لسعيد ووالده، وسط نداءات الاثنين له بالعودة، واستقبل أفق المدينة المتلألئ من شدة الإضاءة بوجه عبوس، واحتضن هواءها البارد بصدر هو أضيق من الزاوية التي حشره فيها سعيد، وشعر بدوار أطاح به وبأحلامه وأوهامه أرضا، مرة واحدة وإلى الأبد.

No comments:

Post a Comment