Saturday, June 6, 2015

الدراما الإخبارية


الدراما الإخبارية

حين يقدم لك الموت محمولا على ابتسامات

من بين شفتي المذيعة المخضبتن بالحُمرة يتحدث إبليس. ومن ذات اللون تقذفك بكلمات الموت القادم من سوريا والعراق واليمن وليبيا وفلسطين ومصر.

تجارتها ابتسامة بلهاء تسّوق بها أكوام الجثث. رأس مالها حنجرة تعزف على أوتارها يد القاتل. أدواتها فرشاة ومسكرة ومرآة وقلم لا يكتب، وورقة ستبقى بيضاء لمن سيجلس على الكرسي بعد انصرافها. كان هذا إبليس وإليكم الشيطان بالتفصيل.

تدرك المذيعة أنها تكذب. ندرك نحن أكثر أننا نحب الكذب، ومن المذيعة نتعلمه. لذا لا نغير المحطة، حتى ولو من باب إغاظة ذات الفم الذي يمتد من الأذن إلى الأذن، حين تصرخ في وجوهنا مشيحة بيدها: "متغيرش المحطة!". ويكون ذلك بمثابة إشعار للمشاهد للقيام بمهمة خاصة باتجاه دورة المياه! دونت يو دو إت؟ آي آم شور يو دو!

المهم.. تجلس على الكرسي وتعطي ظهرها للعالم المرسوم على حائط ضخم ورائها. هكذا هي المذيعة.. دائما تتقدم العالم. وهذه وضعية، مع أشياء أخرى (أنت تعرفها أيها المشاهد الخبيث لا داعي لذكرها)، تمنحها قوة من نوع ما تجعلك تؤمن بكلامها أكثر مما تؤمن هي بأحلامك، أو إن شئت أوهامك: وأولها بالطبع الزواج منك! ما رأيت عربيا واندلع الكلام في الإعلام إلا وسأل عنها: هل هي متزوجة؟ يس شي إز، وعندها أولاد طولك!

وها أنا أراها تصفف شعرها، وتضع لمسات المكياج الأخيرة على وجنتيها، وشفتيها، بينما يمهس المخرج في أذنيها عبر المايكروفون -توك باك- بآخر نكتة "سكسي". حركة متعمدة يدرك كل مخرج أنها ضرورية كي يبدو كل ملمتر في وجه المذيعة ضاحكا، خصوصا مع الثواني الأولى، وتحديا أول ثانية من إطلالتها على المشاهد. وإن كانت المذيعة قد استيقظت لتوها لتقديم نشرة السابعة صباحا، حينها يكون "تغيير الموود" أكثر من ضروري، لسبر أغوار حنيات الوسادة وضربات النوم وبقايا الأحلام المطبوعة على وجهها.

يبدأ العد التنازلي: تن ساكندس... فايف، فور، ثري، تو، أون إير.

أكشن... وتندلع النشرة. يلقن المخرج "المعلم" المذيعة أن ارفعي صوتك عاليا مع أول كلمة في كل عنوان، على أن يبدأ هبوطه تدريجيا، بحيث يكاد يختفي مع نهاية الكلمة الحادية عشرة في خاتمة جملة كل عنوان.
تفخم المذيعة مثلا: مقتل عشرات العراقيين.. ثم تخفض صوتها عند: في هجوم.. تفخيم: بسيارة مفخخة.. خفض: وسط. نزول حاد لوضع النقطة الصوتية: بغداد.

وفي الدراما الإخبارية، دائما ما يتفق المحرر والمذيع والمخرج، بل المؤسسة الصحفية كلها، على قتل بطل الخبر في المشهد الأول من النشرة. وعلى خلاف الرواية المكتوبة ذات الفصول المتعددة، فإن الحبكة الإخبارية في الغالب تأتي في مطلع الخبر. وأعتقد أن المذيعين من هنا اخترعوا عبارة: كان هذا الموجز وإليكم الأنباء بالتفصيل.

وفي التفاصيل، تواصل المذيعة رفع صوتها عند كلمات بعينها، وخفضه عند أخرى، وكأنها تحضر رسمة تخطيط قلب للمشاهد، الذي بدوره يتماهى مع موجات صوتها صعودا ونزولا مع الوقت، حتى تستقيم خطوط فكره مع الخط التحريري للمؤسسة الصحفية.

وهكذا تُبقي المذيعة على الرقص على أوتار كلمات الموت نزولا وصعودا، مع الإبقاء على الابتسامة دائمة على مدار ما يقرب من ساعة كاملة. يتخللها طبعا فواصل إعلانية، تذهب فيها أنت إلى الحمام، وتعود فيها المذيعة إلى مشطها وعلب مكياجها، ونكتة أخرى من المخرج لزوم الرفريشمنت.

أراك تقول ولماذا هذا التعميم الظالم؟ سؤال ممتاز. الجواب هو أن عصر الصحافة الحقيقة قد انتهى، وأننا نعيش عصر الصورة لا الكلمة. وعندي أن الصحافة كلمة لا صورة. ثانيا: هل قرأت يوما مقالا لمذيعة؟ وإن كنت قد فعلت، هذا إن وجدت أصلا، فطابق النص مع الجمال، حينها يكون حكمك في محله أي كان.

طيب لماذا تتحدث عن المذيعات تحديدا وليس المذيعين؟ سؤال ممتاز أكثر من اللي قبله. والجواب هو أنني لو استعضت بكلمة المذيع عن المذيعة على طول هذا المقال وعرضه، فلا أضمن أنك ستقرأه.


وأظن أنه لو أجريت دراسات دقيقة تربط بين جنس المذيع والمشاهدة –في العالم العربي طبعا لا عند الفرنجة- لوجدت أن البرامج التي تقدمها مذيعات هي الأكثر مشاهدة. لذا تسند كل القنوات العربية برامجها الصباحية للوجوه الناعمة. وفي النشرات الرئسية تعمد إلى "الدويتو" في أسوأ الأحوال. آي ثينك يو غيت إت؟

1 comment:

  1. This comment has been removed by the author.

    ReplyDelete