Wednesday, August 5, 2015

الجُملة الصحفية


الجُملة الصحفية

من جُملة ما يستوقفني من عيوب لدى العديد من الصحفيين العرب، كتابا ومراسلين تلفزيونيين وإذاعيين، قدامى ومستجدين، مشهورين ومغمورين؛ عدم سلامة الجُملة الصحفية لديهم من ناحية الصياغة، مما يشوش على المتلقي الإفادة.

ومهما كان هذا الموضوع شائكا وكبيرا، إذ تتداخل فيه عوامل اختلاف فلسفات الكتابة، وصرامة الأكاديميا، وتقديم الخبرة على ما سواها، فإن ما سنتناوله هنا نحسبه أمرا بديهيا وبسيطا، يفترض أن يشترك في إتقانه كل من امتهن الصحافة.

انظر إلى هذه الجملة:

"افتتحت السلطات الشيشانية أول شاطئ مخصص للنساء في البلد ذي الأغلبية المسلمة".

انظر إليها الآن بهذه الصياغة:

"افتتحت السلطات الشيشانية، الثلاثاء، أول شاطئ مخصص للنساء في البلد ذي الأغلبية المسلمة، خارج العاصمة الشيشانية غروزني، بعيدا عن متناول الرجال، الذين سيتم افتتاح شاطئ منفصل لهم في وقت لاحق".

أعتقد أنك بدأت الآن تتلمس ما نقصده هنا عن مفهوم الجُملة الصحفية.

انظر إلى هذه الإفادة من مراسل تلفزيوني:

"نعم، الرئيس عباس طلب من وزير الخارجية التوجه إلى محكمة لاهاي لتقديم ملف حرق الطفل الفلسطيني دوابشة إلى الجنائية الدولية، والتي على إثرها اندلعت اشتباكات عنيفة بين الجيش الإسرائيلي وشبان فلسطينيين في الضفة الغربية، أدت إلى مقتل فلسطيني وإصابة العشرات. أصابع الاتهام تشير إلى قيام مستوطن إسرائيلي متطرف يهودي بهذا الاعتداء الذي أدانته السلطة الفلسطينية بأقسى العبارات، وصعدت بناء عليه تحركها من أجل تدويل المسألة أمام المحاكم الدولية".

وانظر إلى الإفادة لو كانت على هذه الشاكلة:

"أحدث التطورات السياسية هو أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس طلب من وزير خارجيته رياض المالكي، تقديم ملف حرق المستوطنين للطفل الفلسطيني علي دوابشة إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي يوم غد السبت. وقد دانت السلطة الفلسطينية في بيان لها الاعتداء على عائلة دوابشة والذي جرح فيه والدا علي وأخوته، ووصفته بأنه همجي وسافر. وطالب بيان الرئاسة المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل لوقف التمدد الاستيطاني، الذي يعد السبب الرئيس وراء مثل هذه الاعتداءات.

أما على الصعيد الميداني فقد اندلعت اشتباكات بين الجيش الإسرائيلي والشبان الفلسطينيين في مدن عدة من الضفة الغربية إثر مقتل الطفل دوابشة، قتل خلالها شاب وأصيب 40 آخرون. وقد امتدت هذه المواجهات إلى أجزاء من مدينة القدس المحتلة، حيث عزز الجيش الإسرائيلي من وجوده في الأماكن الحساسة من المدينة، لا سيما عند مداخل المستوطنات، تحسبا لأي هجمات انتقامية".

أرى الآن أن فهمك لما نعنيه بالجملة الصحفية قد اتضح أكثر فأكثر. ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة، ولمن أراد أن يستزيد فالصحف والمواقع وشاشات التلفاز ملأى بالدروس والعبر.

إذن، ما نرمي إليه هنا لا يتعلق بكيفية تركيب الجملة من الناحية اللغوية، وإن كان هذا مهما بالتأكيد، وإنما هو ما تحويه الجملة من معلومات مرتبة منطقيا تمثل بدورها إفادة مكتملة لدى المتلقي، تقف بذاتها بما لا يدفع المتلقي إلى استفسار أو استفهام أو بحث.

لن نقدم هنا تعريفا للجُملة الصحفية، وإن كان وصفها هنا قد اتضح إلى حد ما، فالوصول إلى تعريف يحتاج إلى عمق في البحث، وسبر طولي وعرضي للتجارب الصحفية المتعددة، ومن ثم اختبار التعريف عبر أدوات قياس علمية ومهنية ضمن ممارسات صحفية مختلفة جغرافيا ومتعددة زمانيا، ومتنوعة تحريريا (كتابيا، تلفزيونيا وإذاعيا).

من هنا، نقول إن فكرة هذا المقال مجرد بذرة نغرسها في أرضية التحرير الصحفي، وهي بكل تأكيد تحتاج إلى رفد دائم بماء الآراء، من أجل الوصول إلى مرحلة أكثر تفصيلا، ترتقي في نهاية المطاف بهذا المفهوم إلى مرحلة النظرية.

No comments:

Post a Comment