Friday, August 14, 2015

دحلان حماس


دحلان حماس

بين ”الدبلوماسية الشعبوية“ و”الموضوعية المفرطة“ يتنقل الرجل منذ أيام في توصيفه للمشاكل المزمنة التي يعيشها قطاع غزة. لكن غزة لم تكشف بعد عن كل أسرارها، وإن بوح ناسها -حتى وإن كانوا من قادة فصائلها- لم يكتمل بعد ليشكل ثورة في وجه حصارها ومحاصريها.

ظاهريا، يبدو الرجل -وهو واحد من أبرز وجوه الحركة- وكأنه يهاجم ”حماس“، مع حرص شديد في كل مرة على توزيع اللوم بالمقدار نفسه على حماس ومصر والفصائل الفلسطينية وإسرائيل، رغم أن الحركة ارتضت لنفسها وهي تدخل غمار السياسية أن تكون ”الحزب الحاكم“.

وهذا مخرج مفهوم يتقنه كثير من السياسيين عندما يمس العَوار الجميع في خضم الحديث المتعاظم عن قدسية حزب بعينه، لا سيما في ظل الأزمات التي يرافقها كثير من اللغط. حينها لا ضير من إخماد غضب الشارع بإعمال المشرط قليلا في الجلد الخارجي المتبلد للحركة.

وإن كانت هذه الحالة ترضي حماس -إذ قد تحتاجها للاستخدام السياسي لاحقا للتدليل على ديمقراطية الحوار داخلها- باعتبارها الإسفنجة التي تمتص ثورة الناس عبر إشباع شبق من يهوون مناكفة سياسييها افتراضيا عبر فيسبوك؛ فإنها تأخذ قطاع غزة بعيدا عن الواقعية التي يحتاجها في حل مشاكله.

وعلى ضعف ”النقد الوصفي“ الذي يوجهه الرجل إلى حركته ”حماس“ في إدارتها قطاع غزة -رغم أن قادتها لديهم معظم مفاتيح الحلول- فإنه يشكل ظاهرة جديرة بالاهتمام، من شأنها أن تميط اللثام عن كثير من أسرار المعبد، لو تعاظمت هذه الظاهرة داخليا، دون أن تُستخدم سياسيا، في عالم بات لا يقبل الاختباء وراء أيديولوجيات غامضة، ويزداد شفافية يوما بعد يوم.

حماس بحاجة إلى أصوات حقيقة من داخلها تقول لصانعي القرار فيها: كونوا واقعيين. تحلو بالبراغماتية. تقبلوا العالم كما هو. كونوا واضحين في كل المواقف ومع كل الأطراف. وهذه الأصوات -كما نحن بصدد واحد منها في هذا المقال- يحب أن تخرج إلى العلن، وألا تبقى حبيسة السراديب.

لا تحتاج حماس إلى شفافية أو موضوعية مع الغير، بقدر ما تحتاج الحركة إلى هاتين الخصلتين داخلها. وإن كانت الحركة موضوعية وشفافية داخليا، فإن ذلك بكل تأكيد سينعكس على سلوكها، حينها تكون قد كشفت عن بعض مكنونها للآخرين، والذين سيثير جوا من التفهم لكثير من تصرفاتها، ويزيل عنها النقد المتراكم.

فقد فعلتها فتح من قبل، منذ السنوات الأولى لتأسيسها (فتح أبو نضال، وفتح أبو عمار مثالا)، والحالة ما زالت مستمرة إلى اليوم، وإن كانت بشكل فوضوي، فإنها وضعت الحركة أمام الجميع بكل تفاصيلها كما هي دون ”ابتسامات بلاستيكية“. حتى اليسار الفلسطيني "المتكلس" فعلها (جبهتين شعبية وديمقراطية)، وكان ذلك دليلا على روح الاختلاف، بغض النظر عن نتائجه، وحماس ليست بدعا من الأحزاب.

والحال كذلك، فالمطلوب أيضا ممن ينتقدون حماس من أبنائها ”على استحياء“، بأن يرفعوا أصواتهم قليلا في وجه قادتها، لا في وجوهنا في فيسبوك، وأن يقولوا لهم: إن العالم لن يقبلكم ما لم تقوموا بمراجعات فكرية حقيقية تنعكس على سلوككم في التعاطي السياسي. وإلا فعليكم الاختيار: إما أن تكونوا ”ربانيين“ أو سياسيين.

وهذا بدوره يثير تساؤلات عن إرث الحركة الثقيل الغامض. إذ كيف يقبل العالم حماس، وهي حركة تفاخر بهذا الحجم من الأنصار، لكنه لم يُعرف عنها يوما أنها أجرت انتخابات داخلية شفافة تتناولها الصحافة كما تتناول كل انتخابات الأحزاب في العالم؟ فتح مثلا تجري انتخابات -وإن كانت فوضوية- فإنها تظهر أمام فضاء الآخر حركة تموج بالتحركات والتحولات.

كيف يقبل العالم حماس، ولم يُعرف في أدبياتها أنها حاكمت نصيرا أو قائدا خرج عن طوعها؟ وإن حصل ذلك تكون السرية سيدة الموقف. في حماس القسام يقتل وحماس تدفن.. "أيمن طه نموذجا". لكن في فتح تم محاكمة أناس، وطرد آخرون منها. أي نعم أننا لسنا هنا في موضع مقارنة بين فتح وحماس، لكن نورد الأمثلة ليتضح المراد، مع تثبيت الفوارق بطبيعة الحال بين الحركتين.

غالب الظن أن الرجل، الذي نحن بصدده في هذا المقال، يريد أن يظهر على أنه العاقل بين كومة أغبياء، رغم أن ما يقوله ليس جديدا، وقد سبقه إليه كثير من العقلاء. فالوضع المزري الذي يعيشه قطاع غزة لا يحتاج إلى أصوات عقلاء ولا أغبياء، فقد قتلت غزة قولا. غزة تريد تحركا، تريد فعلا، والفعل المطلوب تعرفه حماس، ويجب أن يبدأ من عندها. تدرك حماس جيدا أنها تكذب إن قالت إن التحرك يجب أن يبدأ من عند غيرها.

يجنح الرجل إلى التوصيف، وهو سياسي ما زال في موقع الخدمة العمومية في وزارة الخارجية الرديفة في غزة، ويعرف أن دوره تنفيذي، وعليه أن يقدم حلولا لقادته للتنفيذ الفوري. وهو في الحالة هذه، فإنه من الضروري أن يتخلى قليلا عن ميزة الوصف التي حملها مع من عمله السابق صحفيا. خذ من الصحافة فقط جرأة القول، وقل لقادة حماس باسم كل الغزيين: كفى!

دعك يا أبا عمر من ”دبلوماسية فيسبوك“، و”موضوعية التوصيف“، فالسياسة لا تعرف الموضوعية، كما أن دبلوماسيتها مقننة، وفي الحالتين فهما لا يقدمان ولا يؤخران في إيجاد حل للحالة الغزية. وهنا لا أرى مبالغة إن تساءلت: لم لا تأخذ من الحالة الفتحاوية دحلانها (محمد دحلان) وتغزل ومن يشاركك الرأي في حماس على منوالها (الظاهرة الدحلانية)، وتكون أنت يا غازي حمد ”دحلان حماس“؟

أعرف أن الفوارق بينكما كشخصين كبيرة، وأن الاختلاف بين حزبيكما طوليا وعرضيا عميقة، وأن ما يداوي جروح فتح ليس بالضرورة علاجا ناجعا لعلل حماس، كل هذا صحيح، لكن هذه الاختلافات تبقى في حدود التفاصيل. أما ما نحن بصدده هنا فهو رفع للحوار من درجة التسطيح (الحديث في التفاصيل) إلى درجة "الظاهرة"، وهي التمرد بقول "لا" للقادة. التمرد مجردا من كل المسببات والملابسات والنتائج.

لقد حَرّك دحلان ومن معه المياه الراكدة في فتح، حين قال للرئيس محمود عباس "لا". قد يتفق البعض ويختلف البعض الآخر مع طريقة الرجل في قول "لا" لعباس، لكن هذا ليس موضوعنا، موضوعنا أن الرجل قال ما كان يعتمل ليس بداخله، بل بدواخل جيل كامل في الحركة، بعد أن غطى الكِلْس جيل العواجير فيها، وهَرِمَ صفها الأول بما فيه الكفاية، لتنحجب عنه إمكانيته ابتداع حلول خلاقة للأزمة الداخلية الفلسطينية، تلامس الواقع وتتأقلم معه.

ما يَعيب حماس ويُعاب عليها أنها لا تمتلك آلية داخلية للنقد، فالحركة بحاجة إلى أن توليد هذه الظاهرة داخلها، ولتختار لها الطريقة التي تريد، والأسلوب الذي تبغي. المهم أن يعرف الناس أن لدى الحركة إطار ما من الحوار يَسع كل الخلافات والاختلافات، بما يسمح أن تخرج للعلن دون خجل أو مواربة أو غموض يفتح شهية المحللين.

وإن كانت حماس قد نهلت كل شيء تقريبا من الجماعة الأم "الإخوان المسلمون"، فلم لا يتوقف جيل الشباب فيها من القادة مليا عند خروج عدد كبير من قادة الجماعة في مصر عن طوعها، بعد أن اختطفها جيل القطبيين "المتشدد". نذكر منهم مثلا ثروت الخرباوي ومختار نوح وكمال الهلباوي وعبد المنعم أبو الفتوح. وإن كان هذا تحرك لم يلغ وجود الجماعة إلى حين، فإنه يعتبر صحيا في الممارسة السياسية التي تحتاج التصاقا أكثر بالواقع، لا الاكتفاء بالتنظير.

ما كان لحماس وهي تدخل معترك السياسية أن تظن ألا يشكل ذلك الدخول خَصْمَا من رصيدها في الشارع، وهي بالأساس حركة تحرر ما زالت تواجه الاحتلال، بعد أن أصبح الحمل حملين. وما كان يجب على من يريد أن ينتقدها من أبنائها (غازي حمد واحد منهم) وهي في مرحلة متقدمة من التعثر السياسي أن يكتفوا بالتنظير، وأن يضعوا أنفسهم في موقع المحللين السياسيين.

أخيرا، لو قدر لغازي حمد أن يقرأ هذا الكلام فلربما يضحك من سريالية التحليل، أو يتعجب من غرابة الربط، أو يستنكر كل هذا الكلام. لكني لم أجد وصفا لما قرأت له مؤخرا من مقالات أو منشورات في فيسبوك سوى ما جاء في هذا المقال.

وإن وصلك هذا المقال يا أبا عمر فاعلم أني لم أرد التشهير بك، وما أريد قوله إن حماس تحتاج إلى تعظيم "ظاهرة غازي حمد" بداخلها، وإن كانت هذه بداية أرى أنها مهمة لتحريك المياه الراكدة في صفوف الحركة.

No comments:

Post a Comment