Wednesday, August 19, 2015

مقال من لا مقام له


مقال من لا مقام له

أيُّها الكَاتبُ الصَحفي العربي: حَسِّنْ خَطَّكْ!

كان النقاش محتدما عن نجوم الكُتّاب الصحفيين العرب. كان في الجلسة صحفي يصر "بعنف" على أن الأسماء "اللامعة" من الكتاب تكتب بشكل "متميز"، ومبرره الوحيد أن لو كان الأمر غير ذلك، لما طبقت أسماؤهم الأرض شهرة. علمت لاحقا أن هذا الصحفي كان يعمل "ساعي بريد" قبل أن يلتحق بالصحافة. وكان هذا أول مقال لمن لا مقام له، لنقول: إن "الصحافة قد لَمّتْ"!

نفهم أن لدى هذا النوع من الناس، ومثلهم كثر –رغم قلة القراء من بينهم- ما يبرر عدم قبولهم خدش ذائقتهم في القراءة للمشاهير- طالما أنهم حسبوا أن القراءة فقط هي لنص لا يتجاوز بضع كلمات في فيسبوك، وليس لديهم الجلد على قراءة ما هو أكثر من ١٤٠ حرفا في توتير.

والحال كذلك، فإنه لا ريب أن يتشدد مثل هؤلاء القرّاء لمن يدمنون على متابعتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، ليس إلا لأن من يلحقون بهم من كتاب يملؤون شاشات الفضائيات تحليلا في كل القضايا بدءا من النووي الإيراني حتى الأعراض التي تصاحب ملكة النمل قبل أن تضع بيضها! وإلى أن تصل إلى هذا الفهم لما يعتمل في أذهانهم تجاه عبادة المشاهير، يكون العجب لديك قد زال.

وسأريك كيف تزول الأشياء. ففي إحدى جولات النقاش، وبينما كان هذا "القرّيْء" متحمسا لأحد المشاهير من الكتاب، ممن لا يتوقفون عن الدفاع عن السياسيين الإسلاميين، ويجتر في سبيل ذلك في كل مرة القضية الفلسطينية كواحدة من القضايا التي تندلع لها مشاعر مثل هؤلاء القرّاء، مرفقا كلامه بآيات من الذكر والتحليل الفخيم، فقد انهار البرج الذي كان يبنه بداخله عن ذلك الكاتب الشهير حين علم أنه يحلل تحت تأثير الكحول وهو سكير.

قد يبدو الأمر سطحيا لمن يحكمون على الكتاب المشاهير من هذا السلوك، وهذا فيه من الصحيح المعلول، حين تتبدل معالم وجوه قرائهم لمجرد أنهم عرفوا للتو أيضا أن هؤلاء الكتاب يحملون في أسمائهم عبادة الرحمن وعبادة الباري ... عطوان. لسان حال هذا القارئ الآن يقول: لو كان يعرف بعض الآباء ماذا يكتب أبنائهم لما أطلقوا عليهم أسماء نبيلة.

وإن حصل إن قرأت لأحد الكتاب المشهورين مقالا اليوم في قضية ما، فجرّب أن تقرأ له آخر بعد أسبوع أو أسبوعين في القضية ذاتها، ثم انظر إلى هامش الفارق في المقالين، فإن لم تجده فعليك العودة فورا إلى مقدمة هذا المقال وتنظر مليا مرة أخرى في العبارة الأخيرة منها التي بين ظفرين. أما إن وجدت فرقا –والكلام هنا منصب على هيكلية المقال ومضمونه- فعلى الأرجح أنك تقرأ المقال الخطأ. لذا أدعوك للتوقف عن القراءة فورا.

تخيل أن مقالات هؤلاء تتصدر أشهر المنافذ العربية، من تلك التي تدعي أنها رصينة ومؤثرة وعابرة لحدود العقول. تبدأ في القراءة فتجد الكاتب مستعجلا، وقد رمى لك كل ما يريد أن يقوله في مقدمة المقال، والبقية تكرار بمفردات أخرى لما قاله في المقدمة.

ثم إن جئت إلى تركيب المقال من خلال التفقير لإراحة النص، كي يبدو "جاعصا" على جنبه، لتتمكن من هضمه أنت كقارئ، فالمصيبة أعظم. في إحدى المرات قرأت مقالا في منفذ صحفي شهير جدا، كانت مقدمته أكثر من 300 كلمة، بلا فواصل ولا نقاط ولا ما يحزنون. طبعا تركت المقال لكاتبه، لكي يفهمه أولا قبل أن يلقيه في وجوهنا.

أما إن كنت أمام مقال تحليلي لأحدهم، فاستمتع بـ"التبعير". أنا قلت "تبعير"! لا لا، أنا كان قصدي "تربيط". يُرَبِّط الكاتب بين هذا وذلك وتلك، ولا مانع من جرعة خيال، إذ إن المشهور يقول، وما علينا إلا الاستهلاك، والقول: الله الله الله، ونضغط "لايك"!

وعلى شاشة التلفزيون، تضبط كاتبا عربيا مثلا في برنامج لتحليل الأحداث العربية الجارية في قناة أوروبية، وهو يتكلم الإنجليزية بطلاقة، لكن بلغة جسد عربية بحتة، ويوزع الضحكات والنكات والقفشات هنا وهناك كي يبدو محللا "كيوت". وحين ينتهي البرنامج تجد بعد دقيقتين في قناة عربية بنفس البدلة وربطة العنق، لكن مصدرا للمشاهد وجها متجهما، ويفيض الزبد من حافتي فمه، بينما تكاد شرايين رقبته تنفجر، ولا يلجم فاه عن الصريخ إلا قول المذيعة: "عذرا سيدي.. لقد داهمنا الوقت"!

وهنا يصح القول أن ليس كل كاتب جيد مشهور، كما أنه ليس كل كاتب مشهور جيد. والكتاب السطحيون يستهلكم ”قارئون“ مثلهم، والكتاب الجيدون يستهلكم ”قراء“ أقران لهم. وبين القارئون والقراء البون كبير.

لكن في المقابل -على طريقة فيصل القاسم- هناك قلة من الكتاب المشهورين ممن هم بالفعل جيدون. وهؤلاء لديهم القدرة على رسم الحياة العامة والشؤون الجارية عبر النص في لوحة تتمنى تعليقها في صدر البيت. وإن عدت إلى نصوصهم في أي وقت وفي كل حين تجدها في كل مرة تضج بالحياة من جديد.

وعند هذا النوع من الكُتاب، نقف إلى هنا، فلا حاجة لإطالة المقال أكثر بالتفصيل والتحليل، كي لا يبدو ذلك مديحا، ولا تمل أنت عزيزي القارئ من القراءة.

No comments:

Post a Comment