Saturday, April 16, 2016

فوضويون.. ونقول من أين الفوضى؟


فوضويون.. ونقول من أين الفوضى؟

قديماً.. وسائل أقل معرفة أكثر
حالياً.. وسائل أكثر جهل أكثر

يقول المنطق إن تعريض نفسك للأشياء يجعلها نهباً لها. فيحدث مثلاً أن تذهب إلى المتجر لشراء غرض أو اثنين، فتخرج وقد اشتريت 20 أو 30 غرضاً. وفي مرحلة اللاوعي، بدل أن تستهلك أنت ما على الرفوف، تستهلكك. واستهلاك الرفوف لك يعني دفع نقود أكثر، وإضاعة وقت أطول، وإهدار طاقة أكثر، إلا إن اعتبرت ذلك رياضة!

تحتاج على الأرجح إلى أقل من أسبوع كي ترمي نصف ما اشتريته -إن لم يكن أكثر- بسبب العفن، لتكتشف كم كنت مبذراً. ورغم أنك قد تردد في نفسك "إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين"، فستحاول بكل السبل بحوار داخلي ألا تعتبر نفسك أخاً -ولو غير شقيق- للشيطان. ذلك الشيطان الذي لو نطق لتبرأ من كثير من أفعالنا. دعك من الأقوال.

في اليوم التالي لهذا الحوار الداخلي، تكرر ما أقدمت عليه قبل أسبوع، وتقف بنفسك على المشاهد ذاتها، وتقول إنك لن تكرر ما فعلته الأسبوع الماضي. وبالفعل، تقوم ببعض التغيير بأن تستبدل أشياء جديدة "شبيهة" بالتي اشتريتها من قبل، لكن النتيجة تبقى واحدة: أكياس عدة، ونقود أكثر، وطاقة مهدرة أكبر (رياضة التسوق)، ثم تسأل: أين الراتب؟

يتكرر المشهد نفسه مثلاً، حين تتبرع بوضع شحمك ولحمك وعقلك أمام فيسبوك أو توتير وأخواتهما من وسائل "الهدر" الاجتماعي، دونما هدف ترجوه، اللهم إلا تمضية الوقت، إن كان هذا هدفاً! وبينما تقوم بهذا الفعل في حالة من اللاوعي، فإنك تسلم عقلك للآخرين ليكون نهباً لمنتجاتهم. ستكتشف ذلك مع مرور الوقت. ثم تستنكر على نفسك عدم إنجاز أهدافك بسبب ضيق الوقت!

ربما تحتاج بعض الوقت لتدرك كيف أن التعرض لكل هذا الغث قد بنى غرفاً من الفوضى داخل ذهنيتك، وقد شكّل جانباً مبعثراً من شخصيتك لم تكن تريد في يوم من الأيام أن يكون على هذه الشاكلة، وقد أحالك إلى شخص زئبقي مزاجي متغير ومتقلب. وإن أردت أن تعرف تلك المزاجية في تشكيلك العقلي الجديد، ارجع إلى ما كتبته في تويتر أو فيسبوك قبل أشهر أو سنوات، وقس مدى تغيرك.

يحدث ذلك كله في مرحلة من اللاوعي التي نعيشها جميعاً، ويملك القليل منا مفاتيح الفكاك من قيودها. وبأمر منا وبإصرار مع سبق الترصد نقوم بهذه الأفعال ونحن مرتاحين للمكوث في هذا المنطقة التي تقود فيها أرجلنا وأيدينا عقولنا، وتسيطر فيه أعيننا على قلوبنا، فتبدو جوارحنا وكأنها تعمل بمعزل عن العقل. وبينما هي تفعل ذلك، تكون بعيدة أيضاً عن المنطق.

في المقابل، يقول المنطق أيضاً -والمنطق هو ما تتوافق عليه جوارحك بما يتناسب مع ما تتواضع عليه دواخلك- أنه إذا استعرضت الأشياء بنفسك، باختيارك أنت وبقرار منك، استهلكتها، لكن بحكمة وبدون إسراف. حينها ستكون سعيداً أكثر بالنتيجة، لأنك أنت من ذهب للشيء، وليس هو من وضع نفسه في طريقك بالصدفة. وسيكون الوقت والجهد لا ثمن لهما، وسيكون الإنفاق له معنى. ثم إنك لن تخرج من التجربة نادماً على ما فاتك من وقت أو جهد، طالما أنك قررت منذ البداية الدخول فيها وأنت بكامل قواك.

على الأرجح أن الكلام الوارد آنفاً لن يعجبك إن كنت من عشاق تصفح مواقع التواصل الاجتماعي. ولن يعجبك أكثر إن كنت من مدمني عداداتها، وتنام وتحلم وتصحو وعينك معلقة بها (زاد المتابعون، نقص المتابعون. ارتفعت اللايكات نقصت اللايكات). ثم يتاجر مستخرع فيسبوك مارك زوكربيرغ بكل هذا الكم المجاني في البورصة بالملايين.

وإن لم يعجبك هذا "الرغي" فيكفي أن نقول أن آباءنا لم يكونوا جوعى في زمن الدكاكين الصغيرة، وقد أصبحنا اليوم نشكو تخمة في الجسم وفلساً في الجيب في ظل السوبرماركتس. ولا كان من سبقونا جهلة في ظل ندرة وسائل المعرفة، وقد أصبحنا اليوم نشكو تخمة الوسائل وكثرة الجهل والجهلة.

وإلى أن نشفى من هذه الفوضى المرض التي صنعناها بأيدينا، ونشارك في تضخيمها يوماً بعد يوم بقرار شخصي منا، وتسير في عروقنا وفق تنظيم محكم من حكوماتنا التي احترفت إعادة ترتيبها في قوانين ناظمة عبر أسماء شركات (اتصالات وبنوك وخدمات مالية)؛ سنرى كما من الوقت نحتاج كي تتحمل حياتنا هذا المرض، الذي إن لم تلفظه المجتمعات في يوم ما، ماتت بِسُمه.

No comments:

Post a Comment