Saturday, May 14, 2016

طالبو اللجوء للصحافة


طالبو اللجوء للصحافة

ثلاث فئات دمرت الصحافة العربية: المترجمون والمعارضون السياسيون والهواة (والهواة كثر: من المطلقات حتى الطباخين). أعرف أن "لقمة العيش" صعبة، لكن لا يرجى لصحافتنا بكل وسائلها صلاحاً ولا إصلاحاً، ما لم تتوقف الهجرة غير الشرعية من جميع حقول المعرفة إلى الصحافة التي تتحول مع كل يوم جديد إلى "مهنة كل من لا مهنة له" وبقوة وسرعة شديدتين.

فالمترجمون دخلوا المهنة بعد أن رأوا أنفسهم مجبرين على التدريس براتب زهيد، أو العمل مرشدين سياحيين في بلاد عربية لا سياحة فيها ولا سياح. والمعارضون السياسيون رأوا في الصحافة ملاذا آمنا لمهاجمة الخصوم، دون أدنى معرفة بالمهنة أو المهنية. أما الهواة فكثر، ويتوزعون بين طالبي شهرة، ومطلقات لكن جميلات، وملكات جمال، ومضيفات طيران وفنادق، وممثلين، وأميين ومزوري شهادات وأخيرا طباخين.

وهذا بلا شك لم يمنع أن يدخل للصحافة العربية مهندسون وأطباء وسياسيون، وأن يبدعوا أكثر من أولئك الذين درسوا الصحافة سنوات عدة. وهذا اعتراف كان له ما يبرره حتى قبل 10 سنوات أو 15 سنة خلت. إلا أن الهجرة الجماعية في الآونة الأخيرة وتدافع المهرولين إلى العمل في الصحافة من كل حدب وصوب، لا سيما التلفزيونيين منهم، وضعنا في هذه الحالة الفوضوية من أخطاء تحريرية ومهنية وثقافية وسياسية واجتماعية وقودها الهواة ورواد الشهرة.

وفي مرحلة معينة تطورت الهجرة لترافقها مظاهر أخرى لمن لم يتمكن بالهجرة جسدياً، فهاجروا معنوياً على ظهور آخرين وهدفهم في ذلك "البرستيج الاجتماعي". نعم، لقد تحولت الصحافة، وخصوصاً الكتابة إلى "برستيج" يُباهى به، تماماً مثل السيارة الفاخرة أو الفيلا الجميلة. وقد تنامي إلى مسامعي أن شخصاً يعمل "متبطلاً" في مؤسسة حكومية يكتب في اليوم الواحد ستة مقالات لستة كُتاب. وينقل صديق عن "الكَتّيب" قوله، أن أياً من هؤلاء الستة ممن يكتب لهم، لا يتصل به ليقترح ولو موضوع المقال أو حتى عنوانه.

وهذا "البرستيج" الجديد الذي باتت تعج به صحافتنا يومياً عبر مقالات "مجهولة النسب" لأسماء تختفي وراء مضامين لا ناقة لها بها ولا جمل، ينسحب على "الروائيين الجدد" الذين تتفتق مخيلاتهم وتنمو في إطار لا يتجاوز 140 كلمة، هو عدد الكلمات المسموح للتغريدة الواحدة في تويتر. وترى رواياتهم بلا تجربة عميقة تسعف النص، ولا معترك حياة جدي يغري القارئ للمتابعة، ولا حتى لغة يرتفع لها حاجبا من يبحث عن تجربة جديدة تضيف إلى تجربته. (كلهم ناسخين من بعض الموضوع ذاته: قصة حب في إطار وصف جنسي بات مبتذلاً).

وفي السنوات العشر الأخيرة، وكأني بماسورة روايات فتحت فجأة في فضاء الإنترنت العربي، وملأت قاعات المكتبات على قلتها على امتداد أوطاننا التي لا يقرأ سكانها أصلاً. وهذه "الوريقات" التي تسمى "روايات"، أكثرها لا علاقة لها بأسماء "مؤلفيها المفترضين". إذ إن هناك من احترفوا بيع أفكارهم وتجاربهم، تحت ضغط "لقمة العيش"، -وإن كان هذا عذر أقبح من ذنب- لمن لديه الاستعداد أن يدفع ليزين اسمه برواية. وسيتضح ذلك لك عندما تدخل مع أحد هؤلاء الروائيين الافتراضيين في نقاش، لترى إن كان النقاش معه ينم عن كاتب حقيقي أم مزور.

ينظر البعض إلى هذه الحالة على أنها صحية، إذ يؤكدون على أن إتاحة التكنولوجيا الفرصة للجميع كي يكتب قد أثرت المشهد الثقافي العربي، لكنها في المقابل ضربت جودة المضامين في مقتل، وجعلت الكتابة كمهنة شيء مبتذل، طالما أن أي واحد يقوى على ممارستها، حتى وإن كان جالسا بهاتفه المحمول في الحمام.

No comments:

Post a Comment