Sunday, May 22, 2016

هل كان شكسبير يُأَرْجِل؟

هل كان شكسبير يُأَرْجِل؟

لفت انتباهي اسم ذلك المكان "مقهى شكسبير"، وقلت إني على الأرجح سأحظى بتجربة فريدة إن تناولت كوباً من القهوة هنا. دلفت للمكان وإذ به بالفعل يرتدي حلة قشيبة تحكيها الرسومات المزركشة الممتدة على الجدران، والطاولات البيضاوية المعشقة بتصاميم بارزة من الورود، والكراسة الخشبية التي عادة ما تحفل بها القصور العتيقة، والثريات المتدلية التي تحتضن أضواءً صفراء تبعث الدفء في المكان، لتكشف كلها مجتمعة عن تلك الحقبة التي عاش فيها الكاتب البريطاني الشهير وليم شكسبير (1564-1616).

جلست في ركن قَصِي يتيح لي الإشراف على أكبر مساحة ممكنة من المكان البهي، وطلبت قهوتي المفضلة. بادرني النادل: هل تريد أرجيلة؟ وللحظات تقافزت في ذهني أسئلة عدة: هل كان شكسبير يُأًرْجِل؟ وهل كان يكتب مسرحياته وسط "دخان ثقافي" ينفثه غليونه؟ وهل كانت السيجارة طقساً لازماً من لوازم الجو الذي يضع وليم وجهاً لوجه أمام بنات أفكار أشعاره؟ وإن كان الأمر كذلك، فعلينا أن نبحث عن سر العلاقة بين "الكيف" والإبداع عند الكتابة، ونتساءل: هل حين يداعب النيكوتين خلايا الدماغ تتحسن فرص ميلاد أفكار أسرع وأغزر وبالتالي تبدع اليد في خط نص أجمل؟

ارتشفت بعضاً من القهوة، وأتبعت الرشقة بنفس من الأرجيلة المُنكّهة بالتفاح، وجلت المكان بناظري من جديد، ثم كتبت في غوغل "شكسبير يدخن"، فوقعت عيناي على دراسة حديثة ترجح أن "الشيخ زبير" -كما كان يحلو للقذافي أن يسميه- كان يتعاطى الماريغوانا أثناء الكتابة. وطرف الخيط في هذا الترجيح هو 24 غليوناً عُثر عليها في فناء منزل وليم في ستراتفورد، تبين لعالم الأنثروبولوجيا فرانسيس ثاكيراي بعد فحصها بتقنيات الطب البشري أن بعضها يحتوي على آثار مخدرات.

إذن، كان شكسبير يُغلِّين ولم يُأرجِل، إذ لم تكن الأرجيلة قد اخترعت في عهده، لكنه كان على الأرجح "صاحب كيف" أعلى من مستوى الأرجيلة، وبينما كان يغوص بين أوراقه ليكتب لنا "تاجر البندقية" و"روميو وجولييت" و"مكبث" و"هاملت"، كان يلجأ إلى لحظات "تَجَلّي" وقودها غليونه المحشو بالحشيش.

نعود إلى المقهى، الذي لا أعرف من ذا الذي أوحى إلى صاحبه أن يقدم خدماته من القهوة وأخواتها من كابتشينو وموكاتشينو وفربتشينو باسم ثقافي من عيار شكسبير. وإن كان صاحب الفكرة قد خَبِرَ بالفعل أن شكسبير كان يُغلِّين بالحشيش، وأراد من وراء ذلك مد الجسور بين القرنين السادس عشر والواحد والعشرين، فلا تثريب عليه.

لكن، ربما أراد صاحبنا من وراء هذه التسمية مغازلة كل من له علاقة بالكتابة، أو إغراء من يفضلون ارتشاف فنجان قهوة أو تدخين أرجلية تحت مسمى ثقافي يشعرهم بالألفة، ليكونوا زبائن محتملين ينعشون مشروعه التجاري. ولم نستبعد أن صاحب الفكرة يعرف أن أغلبية من ينتمون إلى هذه الطبقة من الكتاب والمثقفين هم أصحاب كيف وذوو مزاج عال، فجعل لهم عنواناً واضحاً يرتادونه بلا تردد.

والتدخين والتحشيش والسُكُرْ عادات ملازمة لكثير من الكتاب العالميين والمحليين. نجيب محفوظ مثلاً كان يدخن طوال الفترة التي يقضيها بالكتابة. وإن قرأت "أولاد حارتنا" تكاد تشتم من حروفها نفثات كاتبها على الورق. وفي "الخبز الحافي" لمحمد شكري، تنبعث رائحة الحشيش والدخان من على صفحتها. ومن المرجح أن علاء الأسواني ورث عن والده "رص الحشيش" كما حَدّث عنه في "نيران صديقة".

إذن، على ما يبدو هناك علاقة بين الإبداع المتعلق بالكتابة على الأقل، و"تعمير الدماغ"، وإن كان هذا ليس صحيحاً على الدوام، لكنه موجود ولا يمكن إنكاره. وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال، أنه إن أردت أن تكون مبدعاً في الكتابة فعليك أن تدخن أو تُأّرْجِل أو تُغلِّين، وإلا فإن منظمة الصحة العالمية قد توصي القراء بعدم تعاطي كتاباتك حفاظاً على صحتهم.

No comments:

Post a Comment