Thursday, June 2, 2016

رسالة من شادي



رسالة من شادي..
أصغر أسير فلسطيني في سجون المحتل الإسرائيلي

في غمرة الأحداث، وتدفق الأخبار، هناك ما يستوقفك، أو بالأحرى يوقفك رغماً عنك. تشتغل فجأة مكابح الذهن لتتوقف أمام مشهد لا يمكن للعقل أن يمرره. يَثبتْ الزمن، تتجمد اللقطة وتتسمر اللحظة في مكانها، وما عليك إلا انتظار الطلقات التي ستخرج من قلم رصاص محشو بالكلمات.

رسالة بريئة، خطها بقلمه الرصاص شادي فراح، أصغر أسير فلسطيني في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وبعث بها إلى أمه في عيد ميلادها، وقد رماها القدر في وجهي صبيحة ذلك اليوم في شكل خبر. قلت ما أحقر كلمة "خبر" التي تجمع بين اعتزال الفنانة المصرية شيرين وحدث تاريخي سيصنعه شادي بعد لحظات وتضعهما في السلة ذاتها. إي والله، إنه حدث تاريخي!

يشد شادي، ابن الاثني عشر عاماً من أزر أمه فيقول: "أريد أن أقول لك أن تبقي رافعة الرأس مثل شجرة النخيل لا يهزها ريح ولا حتى زلزال.. وأريدك يا أمي أن لا تحزني، لأن هذا اختبار من عند الله، ولا يجب أن نتحسر على ما جرى. واليوم أنا أقف أمام المرآة لكي أحاول أن أقتلع سيئاتي وأجد إيجابياتي".

والله إن كلمات شادي لتكاد تتجمد في حلق أي زعيم عربي إن أراد التفوه بها، فلا يقوى على نطقها، وكأني بالطفل يترفع بكلماته عن صخب القمم العربية الخطابية، باحثاً عن وطن في أعين عرب خذلوه، وآخرون لا يزالون يتقربون يوميا من "العم شلومو" بعد أن عرفوا أن ضمان تحالف مع "العم سام" لا يمر إلا بالعم الأول.

لم يبخل علينا شادي بالقفشات المضحكة وهو في يكابد السجن، فها هو يعتذر لأمه التي يظن أنها رأت فيه طفلاً "أزعر وشقي". كما أنه نسي أنه طفل في موضع آخر من الرسالة مخاطبا أمه: "لقد تعبتك معي من صغري إلى كبري". وإن لم يدرك شادي أنه لا يزال صغيراً، فإن كبر كلماته تكفي للدلالة على عمره. وقد بدا شادي مشروع أديب يتقن استخدام الكلمات، إن اطلعت على الرسالة ستجد ذلك جلياً في أكثر من موقع فيها.

شادي ابن القدس المحتلة، الذي ختم رسالته إلى أمه بـ"أحبك"، معتقل منذ 26 يناير الماضي. وقد اختطفه جنود إسرائيليون من قريته في كفر عقب شمالي القدس المحتلة، بينما كان يلهو أمام منزله رفقة زملائه. اعتقل شادي بذريعة "نيته تنفيذ عملية طعن بحق مستوطنين"، ليكون بذلك ضحية الاحتلال الإسرائيلي الذي يسجن على "النوايا".

كانت هذه رسالة شادي، التي أوقفت سيل الأخبار الهادر الذي كنت أتنقل بين أمواجه عبر وكالات الأنباء. كانت هذه رسالة نادرة، رغم الرسائل الإخبارية الأخرى التي تقذفني كل يوم بالموت القادم من سوريا والعراق واليمن وليبيا والبحر.

وإن كان كل صحفي يدمن مشاهد الموت مع مرور الزمن، وتتبلد من تكرارها أحاسيسه، تبقى هناك أخبار عالقة في الذاكرة، لا سيما إن كانت مكتوبة بخط اليد، مثل رسالة شادي، وكأنها كلماتها من رصاص، اخترقت القلب واستقرت... إلى الأبد.

No comments:

Post a Comment