Thursday, June 2, 2016

مكلمخانة


مكلمخانة

إن قال لك مسؤول "إعلامي"، أو خبير "تلفزيوني"، إننا بحاجة إلى قنوات فضائية جديدة في العالم العربي، وأنت تعلم أن عدد هذه القنوات قد تجاوز 1300 قناة؛ فاعلم أنه "كذاب إبن 60 كذاب". اقذف هذا الرقم في وجهه (1300 مضافاً إليه 60)، وابحث فوراً عن شبشب يحمل الرقم ذاته و"أديلو على صداغه".

إذ لم تعد شهية سوق الصحافة العربية، بما تحويه من تلفزيونات وإذاعات ومواقع إنترنت وصحف ومجلات وغيرها من وسائط، مفتوحة على استقبال أي وسيط أو وسيلة جديدة. فالفضاء العربي –والحمد لله- معبأ حد التخمة بالضجيج، وبتنا نعيش في ما يشبه "المكلمخانة". ولم يعد أحد يقرأ الصحف الورقية، وبالتالي تسمرت عيوننا بأجهزة هواتفنا بحثاً عن ما هو طريف، أو بشاشات تلفزيون تبث فيلم أكش أو مباراة لبرشلونة أو ريال مدريد.

وتتجلى مظاهر "الطفح الصحفي" على جلد المنطقة العربية، أو ما يسمى تأدباً في صفوف الأكاديميين بـ"الركود"، في أمور ثلاثة: اختفاء جاذبية الانخراط في العمل الصحفي، الشك في نجاح كل ما هو جديد رغم تقديمه محتوى بجودة عالية شكلا، وتدهور الممارسة على صعيد الإنتاج ورداءة المحتوى.

أولا، كان في السابق مثلا –قبل 10 سنوات تقريبا- إذا ما افتتح منفذ صحفي جديد، لا سيما إن كان تلفزيونياً، يتأهب الجمهور لرؤية نجوم منفذ قديم وهم يهاجرون للوسيط الجديد. وتسيل أحبار في كتابة أخبار من قبيل انتقال المذيع فلان إلى القناة الفلانية، وهجرة المحاور علان إلا المؤسسة العلانية. كانت مرحلة أشبه بفترات انتقالات لاعبي كرة القدم بين الأندية، لكنها ذَوَتْ.

وعلى ما يبدو فإن الرواتب لم تعد مغرية بما فيه الكفاية ليضحي مذيع نجم في مكانه الحالي من أجل الانتقال إلى قناة جديدة "غرة ووليدة". فضلا عن أن الاصطفاف السياسي الحاصل وما نجم عنه من اصطفاف صحفي مؤسسي، وقف عقبة في طريق نمو السوق. أضف إلى ذلك القيمة المضافة المفقودة وغير المضمونة في حال الانتقال من مكان إلى آخر، والذي أثقل بدوره تحرك الكثيرين وأبقاهم محافظين على ما يعتقدون أنه استقرارا.

ثانيا، باتت الخطوط التحريرية لوسائل الصحافة العربية أكثر وضوحاً، خصوصاً في السنوات الست الأخيرة التي شهدت ثورات في أكثر من بلد عربي، مما أعاد رسم الخريطة المؤسساتية الصحفية على صعيد دول المنطقة. يُفهم ذلك في ظل سياق تغير التحالفات في المنطقة والإقليم، وتبدل الاستراتيجيات والرؤى في ما يتعلق بقضاياهما الشائكة.

بمعنى آخر، أصبحت المؤسسات الصحفية مسيسة بشكل أكبر وأوضح من ذي قبل، وبات الفرز لا ينصب على المؤسسات فقط بل يطال الأشخاص العاملين فيها، وهو ما شكل بدوره تحدياً للصحفيين، وقلص مساحات التحرك والانتقال والعمل لدى كثيرين، خصوصاً لدى من يحملون مواقف سياسية بعينها قد تتفق أو تختلف مع المؤسسة.

ثالثا، لم تعد جودة المضامين الصحفية اليوم بتلك الجودة التي كانت عليها قبل اختراع النشر الإلكتروني. انتشار المواقع الإلكترونية، ومن ثم مواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت للكل الكتابة والتدوين والدردشة، غيّر مفهوم الصحافة لدى الداخلين الجدد إلى بلاطها، فتحولت الصحافة من مهنة إلى شهرة، ومن حرفة إلى برستيج. وإن كان هذا هو مستوى فهم القائمين الحاليين على الصحافة، فلا يُرجى منها مضامين قوية، وهكذا حلت الرداءة مكان الجودة.

خلاصة القول
نحن أمام سوق صحفية راكدة، أبرز مظاهرها عدم القدرة على تقديم جديد يغري العاملين للانخراط في بدائل ترفع من قدراتهم المهنية، أو يغري المتلقين على استهلاك منتج صحفي تفاعلي جديد يميز البعض عن ما هو موجود في السوق. وإلى أن نصل إلى انفراجة جديدة في هذا السوق، سيبقى على الأرجح يموج ما بين السيئ والأسوأ مع مرور الزمن، ما لم تحدث معجزة.

No comments:

Post a Comment