Friday, July 1, 2016

الغبرا و"العنف الفلسطيني"

الغبرا و"العنف الفلسطيني" ومزيج من الهرطقة

لا نلوم الصهاينة حين عوّلوا إبان نكبة فلسطين على أن "الكبار يموتون والأطفال ينسون"، إذا ما كنّا أمام شخص من عيار "كاتب"، لن نعده مع الكبار، لأنه ببساطة لا يزال حي يكتب، بل سنحسبه "صغيراً" يجنح  للنسيان بقرار شخصي عن سبق الإصرار والترصد والتلبس، وذلك لأنه يضع "العنف الفلسطيني" مقابل "العنف الإسرائيلي"، بكل ما بين علامات التنصيص من معنى.

 "العمليات الفردية الفلسطينية في غياب العمل المنظم" عنوان مقال منشور في صحيفة الحياة يوم 16 يونيو 2016، "للكاتب" شفيق ناظم الغبرا. يفتح المقال الشهية على علامات التنصيص المتبوعة بعلامات التعجب التي تكاد تتقافز من ذهنك للجوار وأنت تقرأه، لتحرك فيك أي كنت الجينات الفطرية لعدم التعاطف مع أي محتل أي كان، فكيف إن كنت فلسطينيا؟

ومن قال إن الإعلام لا يؤثر في الناس فهو مخطئ، وعليه بالمقال الذي لم يتورع صاحبه عن ذكر "العنف الفلسطيني" في مواجهة "العنف الإسرائيلي" تصريحاً لا تلميحاً ثماني مرات، حتى يخال لك بأنك تقرأ مقالاً لشخص يجرب للمرة الأولى قلمه، أو هاوٍ أحب أن يختبر أفكاره فكان رقيقاً مع الورقة حد "الإتيكيت التحليلي".
 يقولون إن الكاتب المعتبر هو من يحترم القارئ، ومن جملة ما يجب أن يحترمه الكاتب معرفته المفاهيم التي يطرحها. فالغبرا ذكر "العنف" وفي مكان آخر سمّاها "مقاومة". ثم ذكر "العنف" مجددا، ووصفه في مكان ثان بأنه "هبة" أو "انتفاضة"، ولك كقارئ أن تختار ما يحلو لك وتترك ما لا يرق لك، فأنت أمام "مولد صاحبه غايب!".

وفي مستوى آخر من تحليل هيكلية الموضوع، لا الفكرة المطروحة فيه (على الغبرا أن يبحث عن الفرق بين الفكرة والموضوع)، تجد الكاتب يقول مثلا: "فهذا الشكل من المقاومة، بسبب سهولة الحصول على السلاح وتصنيعه وسبب طبيعة العولمة وانتقال طرق التعلم والمعرفة عبر الأثير يصبح خيارا ممكنا عندما يكون أبسط الناس في حالة اضطهاد وانتهاك من قبل احتلال يتميز بعنفه وغرور سياسته". والذي لا يعرفه الغبرا، أو يعرفه ولا يريد أن يدركه (ابحث عن الفرق بين المعرفة والإدراك يا غبرا)، هو أن السلاح في أيدي هؤلاء الشبان هو السكين، والذي لا يحتاج إلى تصنيع ومعرفة وتعلم و"عولمة" (والعولمة هنا تحديدا لا معنى لها من الإعراب. هل كانت الجزائر وغيرهم في انتظار العالم أن يتعولم كي يتحررون من الاحتلال؟). وهذا الشكل من الطرح المبني على النتيجة والسبب فيه من المغالطات المنطقية الكثير، التي ندعو الغبرا للبحث عن تفكيك مفاهيمها (النتيجة والسبب والمغالطات وأنواعها) قبل أن يفكر في الكتابة.

وأمام الجملة السابقة للكاتب وجدت نفسي وجها لوجه أمام مدرسي اللغة العربية في الابتدائية، حين كان يطلب منا كتابة موضوعات تعبير باللغة العربية، عن "موسم جني البرتقال" مثلا، ولا تزال ترن في أذني جملته الشهيرة: "اكتبوا يا أولاد عن الربيع في ما لا يقل عن صفحتن". فنسود له الصفحتين بكلام من قبيل ذلك الوارد في مقال الغبرا.

ويبدو أن الرجل مستمتع حد النشوة في "التحليل اللذيذ" للعمليات الفردية الفلسطينية الأخيرة، إذ يقول: "الناس العاديون الذين ينضمون لعمل مفاجئ من دون أن يكون لديهم سجل سياسي أو نضالي سابق بعيدون عن قدرة الأجهزة على رصدهم". بكل تأكيد، وإلا هل تريدهم أن يكونوا صيدا للإسرائيليين؟ ورغم أن هذه الجملة معلقة (ابحث عن معنى الجملة المعلقة يا غبرا)، فإنها تشي بالعقدة الأمنية المستحكمة بعقلية الكاتب وتعيقه عن الخروج من صندوق مفرداته الضيق إلى ما هو أرحب من مفردات تستوجبها بسهولة القضية التي يتناولها في المقال.

 يتحدث الغبرا عن "فراغ كبير في الوضع الفلسطيني وفي الصراع على الأرض وفي الصراع على أرض فلسطين"، ورغم أنه لا يوجد صراع على أرض فلسطين إذا إن هناك محتل فقط، فإن الكاتب نفسه لاحقاً يملأ هذا الفراغ بما يمليه عليه تحليله السياسي فيقول: "استمرار هذا الغليان سيؤدي مع الوقت إلى بروز قوى فلسطينية جديدة تحمل بعداً سياسياً.. ستملأ الفراغ تماماً".

كل ما يريد أن يقوله الغبرا في مقاله قاله في أول فقرة فيه، وهو أن المقاومة الفلسطينية تتجه من الجماعية إلى الفردية، وبقية المقال هي تكرار لهذين السطرين بكلمات ومفردات ومعان مختلفة. وعلى الغبرا أن يبحث عن المفهوم السياسي للكلمات والمفردات والمعاني.. وعليك بغوغل. هل سمعت عن غوغل؟).
 
إن أي طلقة أو ضربة توجه من أي كان للاحتلال، بغض النظر عن هذا الاحتلال، هي ضربة مقاوِمة، ولا يجب أن توصف بأنها "عنف". وهذا هو المفهوم المجرد لمقاومة الاحتلال. أما إن كانت الأرض المحتلة تعنيك، والمحتل ربما يقتلك كما يقتل غيرك في الجوار، ولا تعي خطورة ذلك وتكابر في إنكاره، فإنك إزاء منطق لا يملك أي عجوز فلسطيني أمامه إلا أن يقول ساخراً: الله الله الله!

 وما نريده في نقد هذا المقال يتجاوز وجهة النظر المطروحة فيه المحملة بكثير من الأخطاء في المضمون، والخطايا على صعيد التركيب، وكذلك المغالطات في ما يتعلق بالطرح، ليلامس ما وراء ذلك بكثير، وهو استعراض واحد من النماذج الكثيرة للمقالات التي تعج بها وسائل الصحافة العربية لأولئك الذين يبدأون أسماءهم بكلمة "الدكتور". (على الغبرا أن يقرا فصل حرف "الدال" في كتاب المفكر المصري جلال أمين "ماذا حدث للمصريين؟").

إن التحليل السياسي في عالمنا العربي اليوم بات مهمة لا تكاد تنوء بحمله أولي العقول الحميدة، في ظل تكالب أصحاب العقول الخبيثة من "أساتذة العلوم السياسية" على تحليل كل شيء وأي شيء، رغبة في تضخيم الثروة. يحدث ذلك في ظل غياب القارئ العادي -ليس القارئ الناقد بالتأكيد- عن مواجهة مثل هذه الهرطقات. ولولا أن الدنيا رمضان، لقلنا كلاماً "أجمل" من هذا، ولفسرنا جزءاً من قول الله تعالي: "كمثل الحمار يحمل أسفارا"، ولأسقطنا التفسير على الغبرا وأمثاله.

مقال الغبرا لمن يريد أن يكتشف مصائب لم نأتِ عليها.

No comments:

Post a Comment