Monday, July 25, 2016

العرب وإعادة إنتاج التخلف


العرب وإعادة إنتاج التخلف

نبدأ من حيث انتهى الآخرون. وقد انتهى الآخرون عند اختراع العجلة، ومَضَوْا. يبدأ العرب من جديد من حيث بدأ الآخرون، ليعيدوا اختراع العجلة، فيبقوا "مكانك قف". نرى ذلك منذ سنوات في حياتنا اليومية في مجالات عدة. نكتفي هنا بتناول اثنين منها: التعليم والإعلام.

منذ سنوات، بل ربما عقود، لا شيء يكاد يتغير في مخرجات التعليم، لا على مستوى الخريجين ولا حتى المنتجات. وذلك لأن المنظومة التي يقوم على أساسها مبنية بسواعد –ما شاء الله عليها- معادية للبيئة الابتكارية والإبداعية. أمسكت قبل سنوات قليلة كتاباً ملوناً وجميلاً في اللغة العربية للأطفال. تصفحت الكتاب، وما أن وصلت باب حرف الحاء، وجدت أن مؤلفيه قد ارتأوا أن يكون أول كلمة يعرفها الطفل تحت هذا الحرف هي "حمار"! لاحقا ستكون هذه الكلمة أول ما يستخدمها الطفل ليشتم كل من حوله. ومع ذلك، لا تزال تحتفظ الوزارات العربية بكلمة "التربية" مع "التعليم" في أسمائها، وكثير منها يقدم الأولى على الثانية.

ومع أنه في لغتنا كلمة أجمل هي "حُبٌ"، فهذا لا يعني أننا نطلب على المؤلفين حجب كلمة "حمار" من القاموس، أو عن الأطفال تحديداً. لكن كما تعلمون، فإن وقع الكلمة علينا كبالغين كبير، وصداها الاجتماعي في ثقافتنا العربية "مش غاد غاد" -أي ليس محموداً- فما بالك بوقعها على طفل غض، خصوصاً إن تلقاها لأول مرة في حياته! فبين "الحمار" و"الحب" مسافة طويلة تجعلنا نشفق على طفل صغير أن يقطعها وهو لا يزال يحبو في رحاب الفهم.

قد يقول قائل، لكن المناهج هذه الأيام تغيرت، وتتغير على فترات ليست طويلة. هذا صحيح في جانب منه، لكن ما لم يتغير في المناهج طريقة تفكير واضعيها، الذين لا يزالون يجترون مضامين الماضي بكل تفاصيلها (أسود وأبيض)، وإن تغيرت طباعة الكتب حديثاً وأصبحت بالألوان. وأذكر هنا أنني قرأت من الصف الأول الابتدائي حتى الثانوية العامة، ما قرأه أخي الذي يكبرني بعشر سنوات. حتى أن غالبية المدرسين لم يتغيروا خلال هذه الفترة على الأقل.

أما على مستوى الإعلام، فلا يزال إعادة اخترع العجلة مستمراً في عالمنا العربي. وعلى الأرجح لا يُراد للصحافة ووسائلها أن تتغير أو تتطور، حتى وإن أصبحت الصورة حالياً "إتش دي"، والطباعة ذات جودة عالية وبورق فاخر مصقول.

قبل أيام كنت استمع إلى حوار بين "مخترع" –وهذا المخترع من مخرجات التعليم الجديد الذي تحدثنا عنه آنفا- ومذيعة كانت في كاملة سعادتها وهي تحاوره وتثني على "اختراعه". وبعد نحو 5 دقائق من الحوار الذي أوشك أن ينتهي، سألت المذيعة المخترع: هل أنت من ...؟ وذكرت اسم بلدها. وكم كانت مفاجأتها كبيرة حين قال لها: لا.... أنا من ....؟ وذكر اسم بلده. ولم تنتظر المذيعة طويلاً لتترجم استغرابها بالقول ضاحكة ملء شدقيها: والله يا ريتك من...! (نعتذر عن ذكر اسم البلدين لأسباب فنية).

وما تحدثنا عنه آنفاً في التعليم، لا بد أن ينتج هكذا مذيعين. ورغم أن كلام المذيعة ينطوي على عنصرية لا تخطئها عين، فإن "المخترع" ضحك أيضا مع المذيعة وقهقه وكأن شيئاً لم يكن. مرة أخرى، حين تفقد قدرتك على الرد على من يستنكر عليك جنسيتك، فقط لأن كلامك لامس شيئاً فيه وأراد التماهي معك لو للحظة، فاعلم أنك قد خضعت في صغرك لمنظومة تعليمة فاسدة لم تمكنك من مفاتيح الرد. وهكذا نكون أمام مشهد متكامل من التخلف، بل إعادة إنتاجه، ضحيته المحاوِر والمحاوَر، اللذان كانا بدورهما في يوم ما ضحية تعليم فاسد وبيئة تربوية معلولة.

في الإعلام أيضا، انظر إلى صناعة الأفلام أو المسلسلات العربية. خذ المصرية منها مثلاً، وستجد كم أنها متشابهة ومنسوخة من بعضها البعض، حتى أن بعضها مسروق عن أفلام أجنبية، ومنتج بطريقة رديئة. فيلما "ويجا" و"الحرب العالمية الثالثة" نموذجين. أما على صعيد المسلسلات فقصصها كلها تقريباً معروفة، ولا يمكنك توقع المفاجأة فيها إلا نادراً. مسلسلات رمضان الماضي والذي سبقه والتي تتناول الحرب في سوريا نموذج واضح لإعادة إنتاج واقع باتت مملاً، لكن بدرجة وضوح أعلى "إتش دي".

يحدث ذلك أيضاً في توريث الآباء من أبطال المسلسلات المهنة لأبنائهم. عادل إمام نموذجاً. له ابن ممثل وآخر مخرج. والمخرج الابن يُخرج للمثل الابن المواضيع ذاتها التي تناولها الممثل الأب منذ فيلم "الإرهاب والكباب" (1992) وصولا إلى مسلسل "مأمون وشركاه" (2016). وما هذا ولا ذلك إلا عبارة عن تقارير إخبارية، الجديد فيها أنها مصورة بكاميرات سينمائية.

هذه بعض نماذج لما بات العرب غارقون فيه من إعادة إنتاج لكل ما تحويه مجتمعاتهم من تخلف. وهذا التخلف ليس وليد اللحظة، بل هو متجذر في العقلية العربية، وفي الممارسة الحياتية اليومية. وكل ما حصل في الآونة الأخيرة هو أنه بدأ يخرج للعيان بشكل أوسع مع استخدام التكنولوجيا، وهي الوسيلة ذاتها التي لا يزال العرب منبهرون بها ويعيدون إنتاج مظاهر التخلف عبرها كل يوم.

No comments:

Post a Comment