Tuesday, August 2, 2016

هكذا طردتني من فيسبوك!

هكذا طردتني من فيسبوك!

كان الحوار كما ظننته ناعماً حين سألت إحداهن على فيسبوك -ويا ليتني ما سألت- ما مفهومكِ لاحترام خصوصية الطفل؟ كان سؤالي تعليقاً على صورة ابنتها التي تجاوزت السادسة لتوها بقليل. اعتبرت هي السؤال "تدخلاً"، في ما افترضت أنا ذلك فتحاً لنقاش عام في كيفية تفكير أصحاب فيسبوك ممن نظنهم يفهمون في التفريق بين المسؤولية والخصوصية بالنسبة لصغارهم، لكن ما إن "نكشت" أحدهم في حوار جدي ستجد كم أن كثيرا منهم "قليلو أدب"!

الصورة من وجهة نظري كانت "مخلة" (لن أشرح تفاصيلها كي لا أدخل في جدال)، وإن لم تكن كذلك من وجهة نظر أم الطفلة، فهي على الأقل تنتهك خصوصية الطفلة كطفلة ليس إلا. والنقطة الأخيرة هذه، هي ما أردت فتح النقاش بشأنها في محاولة لاستجلاء مدى فهم واحدة من أولياء الأمور للحد الفاصل بين الخصوصية والمسؤولية، الذي لا يدركه كثير من الآباء ولا يحترموه -على ما يبدو- عند التعامل مع صور صغارهم في الفضاء العام، مثل فيسبوك وتويتر.

تدخل الأب فوراً بشكل فظ، وتحدث بكلام نابي. ثم تدخل بعده خال الطفلة، وتلفظ بكلمات رذيلة. بعد ذلك تدخلت الأم مجدداً حين رددت على "قلة أدب" الاثنين. ورغم أن معرفتي الشخصية بها قوية، فهي من عائلة تعد في مجتمعها على الأقل بأنها عائلة "شيك"، فقد خبرت للتو كم أن هذا النوع من الناس يكون متحفزا للإساءة أكثر بكثير من غيرهم ممن نتوقع الإساءة منهم على الدوام بدون أن نختبرهم.

ورغم أن السيدة قالت إنها هي المسؤولة عن ابنتها، وأن لا دخل لأحد غير أبويها في هذا الشأن، فإن هذا جواب لا ننكره عليها، إلا أنه جواب يستبطن أيضا أن هذين الوالدين يتعاملان مع الطفلة كما لو كانت دمية. وإن فهم هذين الأبوين أن طفلتهما تقع ضمن مسؤوليتهما، إلا أنهما لما يدركا بعد الفارق بين المسؤولية والخصوصية.

فمسؤولية الآباء تجاه الأبناء من توفير مأكل ومشرب وتعليم وحياة كريمة، لا يعطيهم الحق في انتهاك خصوصيتهم حين يتجرأ أحدهم على تصوير طفله وهو يلهو في المنزل "بطيزه"، أو غارق في الأكل من "ساسه إلى راسه"، أو وهو يلقن طفله شتائم يكررها الطفل بينما الأب غارق في موجة من الضحك. وهذه مشاهد نعتقد أنه لا بد أن تكون مسورة بأسوار العائلة، لا من أجل استجداء اللايكات في فيسبوك.

نعرف أن الصغار أشقياء، وأن الآباء يحبون هذه الشقاوة في صغارهم، ويفاخرون بها أمام الآخرين، وهذا من حقهم، ونحن هنا لا ننكر على أحد مشاركة مشاهد شقاوة صغاره مع الآخرين، على ألا تنتهك خصوصية الطفل، ولا تخدش في الوقت نفسه ذوق المتلقين، ممكن سيقرؤون هذه المشاهد بطرق شتى، من بينها بكل تأكيد، قراءتها من منظور المسؤولية والخصوصية.

قد يقول قائل: يا شيخ أنت مكبر الموضوع! وببساطة، فإن الموضوع فعلاً كبير، وإلا لما أكدت الحكومة الفرنسية مؤخرا على تجريم انتهاك الآباء خصوصية صغارهم إن نشروا صورهم، لا سيما المحرجة منها، في مواقع التواصل الاجتماعي. فوفقا لقوانين الخصوصية في هذا البلد، يمكن للأطفال أن يقاضوا آباءهم حين يكبرون، ويطالبوهم بغرامات تصل إلى 35 ألف جنيه إسترليني، أو أن يودعوهم السجن، إذا ثبتت إدانة الآباء.

مرة أخرى، لست ضد أي شخص ينشر صور أبنائه على فيسبوك، وبأي وضعية كانت قد يراها هو مؤدبة ويراها غيره على خلاف ذلك. لكن على الآباء أن يفكروا مرتين قبل الإقدام على فعل من هذا القبيل، لأنهم ببساطة يتعاملون مع قاصر، وهذا القاصر لا يعرف أين يجب أن تتوقف مسؤولية الأبوين لتبدأ حينها خصوصيته. وفي هذه الحالة تحديدا، فإن المسؤولية أكبر من الخصوصية، وهي المظلة التي لا بد أن تدرك بظلها كل جزئية من خصوصية الطفل.

إن مفهوم الخصوصية واسع وفضفاض، خاصة إذا ما تعلق بالأطفال، وما قد تعتبره انتهاك لها قد يكون غير صحيح بالنسبة لغيرك. وإلى حين أن يكبر طفلك ويطلع على ألبوم صوره وهو صغيرا، على الوالدين حينها أن يتحملا عناء البحث عن مبررات لاستفسارات الطفل الذي أصبح فتياً بخصوص عدم رضاه عن التقاط صور له بوضعيات محددة ونشرها للملأ.

إن عدم فهم الآباء للحد الفاصل بين مسؤولياتهم تجاه الطفل، والخصوصية التي يجب أن يوفروها له، لهو مفسدة تربوية محضة. فخصوصية طفلك واحدة من مسؤولياتك، التي إن قصّرت فيها فلا تلومن إلا نفسك.

وهكذا طردتني السيدة من "بيتها الأثير" في فيسبوك -ولا أسف على ذلك- لتؤكد من جديد نظريتي بأن الناس في فيسبوك دائما على أهبة الاستعداد لافتعال المشاكل، وشخصنة النقاش، والتصيّد من أجل لا شيء، سوى أن يقولوا لك: "أنا وبس.. أنت مين؟".

No comments:

Post a Comment