Saturday, August 13, 2016

الإعلامي

الإعلامي

لا أعرف من ذا الذي اخترع هذه "اللفظة". والحمد لله أني لا أعرف، فعدم المعرفة هنا، معرفة. لكن ما أعرفه، أني ما سألت صحفياً، أو "شبه صحفي" عن مغزى وصف نفسه بـ"الإعلامي"، إلا وارتبك. والارتباك هنا معرفة، بل فيها كل المعرفة. وهذه "الرعشة" تحدث لا إرادياً، لأن الكلمة لا تستند إلى أي مسوغ لغوي أو مهني أو أكاديمي، اللهم إنها فقط "برستيج اجتماعي" فرضته "أناقة التكنولوجيا"، و"إتيكيت" وسائل التواصل الاجتماعي.

فمن الناحية اللغوية، تقول المعاجم إن جذر الكلمة أعلمَ، وفرعها يُعلم، ومصدرها إعلام، والفاعل مُعلِم، والمفعول مُعلَم. أما إعلامي فيقول عنها معجم اللغة العربية المعاصرة بأنها اسم منسوب إلى إعلام. ويستطرد المعجم ذاته مُعرفاً الإعلامي بأنه شخص يتولى النشر أو النقل في الإذاعة أو التلفزيون أو الصحافة.

كنت سأصدق المعجم لو اكتفى بهذا، إلا أنه أضاف: "يحافظ الإعلامي الناجح على مصداقية الكلمة"، وهنا تدخل واضع التعريف في ما لا يعنيه، حين وقع في فخ تصنيف الإعلاميين وفق النجاح أو عدمه، وتجاوز تفسير المفردة إلى تحديد وظيفة صاحبها. كما لم يعطينا واضع التعريف تفسيرا لمعنى المصداقية. أشدد هنا للمرة الثالثة على كلمة واضع التعريف، لأنه هو من دعاني للتشكيك في التعريف ككل. والمعاجم في نهاية المطاف ليست كتبا مقدسة.

وإن كان تعريف القاموس للإعلامي قد جاء على نحو يريد من خلاله واضعه أن يتماشى مع الواقع المحكي للغة، عبر إدخال منحوتة لسانية جديدة إليه، فقد عرّفها على خلاف ما يفهمها متداولوها ويدركها مستخدموها ويستوعبها متلقوها، إذ لا يمكن إخفاء البعد الاجتماعي للكلمة وما تضفيه على من يوصف بها من برستيج يضعه في مرتبة أعلى من الآخرين.

وعلى المستوى المهني، فإن أي عامل في نقل المعلومات العامة ضمن مؤسسة صحفية تعنى بالشأن العام اسمه صحفي، بغض النظر إن كانت هذه الوسيلة إذاعة أو تلفزيون أو إنترنت. وإن أردنا أن نكون دقيقين أكثر، آخذين في الاعتبار عامل اللغة، فإنه يمكن إطلاق مسميات إذاعي وتلفزيوني وصحفي، على العاملين في الإذاعة والتلفزيون والصحيفة على التوالي. ولأن هذا لا يستقسم لغوياً في ظل تطور وسائل النقل المعلوماتي بما يسمح لنا القول مثلاً صحفي إنترنتي، أو صحفي فيسبوكي أو صحفي تويتري، فكانت الرغبة في "إراحة الدماغ" وإطلاق اسم صحفي على هذا الكل.

ولما كان الأساس في الممارسة الصحفية -أي كانت الوسيلة- الكتابة والتحرير، فإن ولادة الصحفي من رحم الصحافة منذ البدء إلى الآن كانت ولا تزال طبيعية، إلا إن أردنا إقحام مبضعنا في أحشاء المهنة، حينها علينا أن نقبل بالنتائج حتى وإن أدى ذلك إلى قتل الجنين، وما الجنين هنا إلا الصحفي. وحين يشتد عود الوليد ويبلغ الحلم يستجيب تلقائياً للرغبة في أن يكون صحفياً، إلى أن تلونه الوسيلة التي يتقن العمل فيها وتمنحه اسما اختيارا، له الخيار في أن يحمله أولا لا، لكن ليس له الخيار في يستغني عن اسمه الأول الذي كتب في شهادة ميلاده المهنية. بمعنى آخر، فإن الكنية –إن اعتبرنا "الإعلامي" واحدة منها- لا تلغي اسمه الحقيقي.

وعلى الصعيد الأكاديمي، فإن كلمة الإعلامي لا تعرفها أي من قواميس مدارس الصحافة وكليات العلوم الإنسانية التي تدرس الصحافة. ومن هنا تجد أن السواد الأعظم من هذه المدارس والكليات تختار لنفسها اسم الاتصال الجماهيري. وفي رحاب الأكاديميا يعرف دارسو الصحافة، ومنهم من يلقبون أنفسهم بـ"الإعلامي"، كم أن هذه الكلمة مثيرة للضحك والسخرية في النقاشات الدائرة داخل غرف الدرس. والشيء نفسه ينسحب على غرف الأخبار الجادة والرزينة التي تميل بقوة إلى التعامل مع الأشخاص بأسمائهم، لا بأوصافهم ومسمياتهم. فالإعلامي ليست مهنة بذاتها، ولا هي اسم صحيح للشخص العامل بالصحافة، بل هي كلمة أقرب إلى صفة له، وهي مسمى وليست اسماً لشخصه.

إذن، ما تبقى من معنى كلمة الإعلامي، وما نراه سبباً قوياً للرغبة في استخدامها المكثف في السنوات الأخيرة، هو ذلك الرونق الاجتماعي الذي بدأت تضفيه على من يطلقها على نفسه، وما تشي به من برستيج يجعل الشخص الموصوف بها ذو قدر أكبر وصاحب حظوة في وسطه البشري.

وهكذا، أصبح الإعلامي يُدعى إلى الندوات والمؤتمرات والمهرجانات والورش والولائم والحفلات المخملية تحت ضغط هذه الكلمة التي لا تدع له مجالاً للتغيب. وطالما أن الداعي قد رفع غرور الصحفي درجة -وربما درجات- بمنحه هذا الوصف الأثير إلى قلبه والذي يزيد من أجنحة طاووسه الداخلي؛ فلا مفر من أن الدعوة ستكون مقبولة بعض النظر عن ضحالة الفعالية.

وترجيحنا، هو أن كلمة الإعلامي ما كان لها لتحظى بكل هذا اللمعان، وتحقق هذا الانتشار لولا ظهور القنوات التلفزيونية الفضائية التي ملأت المجال العام العربي مع بداية الألفية الثالثة. فحتى تسعينات القرن الماضي، لم يكن يجرؤ أقوى الصحفيين العرب على أن يطلق على نفسه هذا الصفة، أو يقبل أن يناديه بها الآخرون. لكننا نجد اليوم من يستسهل إطلاقها على نفسه لمجرد ظهوره على شاشة مغمورة أو مشهورة، أو إذاعة محلية أو دولية، أو كتابة كلمتين في فيسبوك أو تويتر.

وإن كان هذا غريباً، فإن الأغرب هو قبولنا لهذه الصفة دون إبداء أي استنكار أو إظهار أي مقاومة تجاها، أو حتى إعمال تفكير نقدي بسيط في معناها اللغوي أو الاصطلاحي، لدرجة أنها باتت ترسم علامة استفهام كبيرة أمام ما تتركه الصحافة في الناس من طبقات ثقيلة من التأثير المتراكم عبر الأيام ممهورة بسؤال : كيف "نستهبل" على الناس وقد ولدتهم أمهاتهم بعقول تفكر؟

No comments:

Post a Comment