Thursday, August 18, 2016

نبيل عمرو ودبلوماسية السرد


نبيل عمرو ودبلوماسية السرد

على مدى 286 صفحة، يريد نبيل عمرو -أو ربما لا يريد- أن يصف في كتابه "ياسر عرفات وجنون الجغرافيا" عرفات بأنه ديكتاتور، لكنه يتمنع بدبلوماسية عالية أو يمتنع بمحض إرادته. يختار عمرو، السياسي الفلسطيني، لكتابه أن يكون وصفياً أو ذو انطباعات، لا تأريخاً لسيرة عرفات، وبينما هو يقدم على ذلك، يذهب للخطأ بقدميه. يعرض الكتاب مواقف عدة لعرفات وفضائح متعددة لمنظمة التحرير. لكن الكتاب تعتريه مشكلة بنيوية جسيمة في تصنيفه للمعلومات وإيراده للمواقف بعيداً عن مضمونه الذي يمكن أن يعتبره البعض ثرياً.

وتتجسد ديكتاتورية عرفات في قول عمرو تلميحاً لا تصريحاً: "لم تغفل عين عرفات لحظة واحدة عن الوضع الداخلي، فالغفلة من حيث المبدأ تعني في فكر وحسابات القائد المستحوذ أول ثغرة خطرة في أساسات زعامته، خصوصاً حين يكون الزعيم هو مركز الحالة بأسرها وتكون زعامته محصلة معادلات يؤدي فيها العامل الخارجي دوراً فعالاً في البقاء كما في الإقصاء".

وقد دفعت دكتاتورية عرفات "اللجنة المركزية لفتح في اجتماع لها بالكويت إلى اتخاذ قرار بإقصائه عن العمل العسكري لقوات العاصفة بالحجة إياها: التفرد في اتخاذ القرار وعدم التقيد بتوجهات اللجنة المركزية". وتكثفت هذه الصفة لدى الرجل أكثر "بعد سقوط طائرته في صحراء ليبيا، إذ صار النزق والتحدث بانفعال زائد سمتين تثيران القلق في سلوك الرجل وردود فعله".

ويظهر عرفات الديكتاتور من بين ثنايا السرد الدبلوماسي لسيرة القائد حين يقول عنه الكاتب: "كانت طريقته في تلبية المطالَب غير تلقائية حتى في البديهيات، وكان لا بد من إشعار صاحب الطلب بأن ما يبدو بديهياً ومحسوماً هو في واقع الأمر غير سهل".

لا تأريخ ولا رواية
يُقر عمرو في بداية كتابه، الصادر عن دار الشروق المصرية عام 2012، بأنه "ليس تأريخاً لمسيرة عرفات، إنما هو انطباعات تولدت لديه من خلال معايشته للرجل". وبهذا الإقرار أطلق المؤلف رصاصة على قدمه من مسدس يحمله. إذ إن سرده مجرد انطباعات لا يعفيه البتة من ذكر تواريخ فاصلة في حياة عرفات وحركة الثورة الفلسطينية، والتي ما أن ذكر أحدها أو أحد الأسماء المصاحبة لها إلا واحتجت إلى غوغل للتوضيح والاستعلام والاستفسار.

ولم يحصل أني قرأت كتاباً واستعنت بغوغل بقدر ما فعلت مع هذا الكتاب. فعلى طول المواقف والمشاهد والانطباعات والأسماء التي أوردها عمرو، كان لا ينفك عن التقافز إلى ذهني هذا السؤال: متى حدث هذا؟ يحصل هذا وكاتب هذا المقال فلسطيني، فما بالك لو أراد موريتانياً مثلاُ قراءة الكتاب؟ وبينما قام عمرو بذلك، بدا وكأنه في الكتاب يتحدث إلى عارف بما يُحدثه، أو صديق عايش معه رفقة عرفات التجارب ذاتها. فمثلاً لم نعرف تاريخياً للفترة التي مكثت فيها المنظمة وقادتها في تونس أو اليمن أو العراق أو سوريا أو حتى لبنان. وإن كان تأريخ من هذه القبيل قد يكون رئبقياً، فكان يكفي الإشارة إلى بداياته ونهاياته على الأقل، كي يتمكن القارئ من ترتيب الأحداث في ذهنه ومن ثم الربط بينها غلى طريقته.

حتى وإن أراد عمرو لكتابه أن يكون كتاب انطباعات، فكان لا بد له أن يفطن إلى أن سياسياً مثله رافق شخصية بثقل عرفات، ما كان مقبولاً أن يتحدث عن "رجل تاريخي" بدون إيراد أي تواريخ تتعلق بالمحطات الهامة التي صنعت تاريخ القضية الفلسطينية والمنطقة برمتها. وهذا السقط الكبير أفقد الكتاب قيمته التوثيقية. كما أن الكتاب ليس رواية مكتملة الأركان، وإن أغرى البعض الجمل السينمائية والعبارات الجزلة الواردة فيه. ومن هذه الناحية مثلاً، لم يحرك الكاتب الشخوص، ولم يصنع لها حوارات دسمة، وفشل في رسم سيناريوهات للأحداث، ولم يفلح في ابتكار حبكات لا صعوداً ولا هبوطاً.

كان من الممكن أن يجمع عمرو كل هذا، الانطباعات والتأريخ والسرد الروائي، لو تمكن من استغلال المادة التي بين يديه خير استغلال، والمادة التي بين يديه غنية بما فيه الكفاية ليتم تشكيلها على النحو الذي يريد. ولأنه لم يفعل ذلك، فقد بدا الكتاب -وصاحبه كاتب مقال- تسجيلاً لبعض المواقف التي رآها الكاتب مهمة للسرد من وجهة نظره، وهذا بالضبط ما كان يمكن قوله في عدة مقالات في صحيفة يومية لا كتاب.

مواقف وفضائح
لكن على أية حال، يشتمل الكتاب على مواقف ومحطات نادرة من تاريخ تجربة الثورة الفلسطينية التي تنقلت بين فلسطين والأردن ولبنان وسوريا والعراق واليمن. منها قصة محاولة إنشاء كيان لرجال الثورة بعد خروجهم من جغرافيا لبنان، في جزيرة يمنية مهجورة، أهداها الرئيس علي عبد الله صالح لعرفات، لكن التجربة فشلت بعد أشهر قليلة من حرث الأرض وزراعتها، بسبب الطقس السيئ والحرارة المرتفعة.

وفي مرة، كان عرفات يتجول في أحد المخيمات الفلسطينية بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 1982، فانتقده فتى فلسطيني رفقة أمه التي تبكي تدمير منزلهم من جراء الحرب، وقال لعرفات في ما معناه "أنت السبب"، فما كان من عرفات إلا أن ضربه بالكف "خمساوي" على وجه. فتدارك عمرو الموقف صائحاً في الفتى: مش عيب عليكم تضرب أمك وتخليها تبكي؟ وهكذا فهم الجميع أن عرفات ضرب الطفل لأن اعتدى على أمه فأبكاها!

ومن المواقف أيضاً، انتقاد شفيق الحوت، أحد مؤسسي المنظمة وقادتها الأوائل، عرفات في إحدى دورات المجلس الوطني (لم يذكر المؤلف تاريخ انعقادها)، ليرد عليه عرفات بالقول: ألم أقل لكم أن ديمقراطيتنا سكر زيادة؟ والله يا أبو هادر لو قلت بعض ما قلت عني في هذه القاعة عن أي رئيس عربي في أي بلد آخر لما غادرت السجن طيلة حياتك. فيرد أبو هادر: مهو علشان هيك يا أبو عمار بنحبك وبنتحملك!

ويسوق الكاتب سلسلة من التكتيكات السياسية التي يدلل من خلالها على عبقرية عرفات، لكنها تستبطن فضائح مبكرة في إدارة مؤسسات الثورة الفلسطينية المعاصرة. فقد خشي عرفات عدم اكتمال نصاب المجلس الوطني في عمان (لم يذكر المؤلف تاريخ انعقاده)، فطلب من نايف حواتمة، الأمين العام للجبهة الديمقراطية إرسال جميع أعضائها والجلوس في غرفة مجاورة للقاعة الرئيسية للمجلس. فإن اكتمل النصاب بدونهم يغادرون، وإن لزموا يرفعون أيديهم. يصف الكاتب هذه الفعلة بأنها "جهنمية"، وهي بالفعل كذلك، تؤدي إلى جهنم السياسية في المؤسسات الديمقراطية التي تحترم نفسها!

هشاشة البنية
وإلى جانب المحاذير الدبلوماسية التي يراعيها الكاتب في سرده، وفشله في تذكر أو ذكر أي من تواريخ المواقف أو المحطات، وتعرضه لبعض عيوب التجربة الديمقراطية داخل منظمة التحرير على أنها تكتيكات إبداعية، تعتري بنية الكتاب مشكلة كبيرة. فقد قسم المؤلف كتابه إلى سبعة فصول، نسي على ما يبدو أن يعطيها عناوين. وقد حملت بداية كل فصل مقتطفات لما هو آتٍ، لكنه يصعب على القارئ فهمها، إذ إن معناها لم يكن قائماً بذاته ليعطي فكرة تامة.

وحين تبدأ بالقراءة، تجد نفسك أمام عناوين ضخمة، فتشعر لا إرادياً أنك أمام صفحات دسمة، لتفاجئ أن ما كُتب تحت العنوان الواحد لا يتجاوز صفحتين أول ثلاث صفحات. تكرر ذلك تحت عناوين كثيرة شملها الكتاب فبدى وكأنه مجموعة مقالات صحفية. وهذا الاختصار ضرب تفاصيل كثيرة، تمنّع عن ذكرها الدبلوماسي الكاتب، في مقتل.

ولأن الكاتب لم يأتِ على ذكر تواريخ الأحداث، فقد أثر ذلك على تصنيف المعلومات، فهي ليست مرتبة وفق نسق محدد، مما جعلها غير مريحة ولا بد أنها ستخلق تشويشاً لدى أي قارئ مطلع يجيد القراءة النقدية. ناهيك عن جملة من الأخطاء الإملائية واللغوية والنحوية. وهذا مرده بكل تأكيد إلى تسرع الكاتب في نشر الكتاب بدون إعادة ترتيب لمضمونه، أو نظر في تكوينه، فضلاً عن لهاث دار النشر في طباعة كتاب لسياسي من عيار سفير.

No comments:

Post a Comment