Tuesday, August 23, 2016

الموت... كما رآه أحمد مرتين


الموت... كما رآه أحمد مرتين

هذه قصة حقيقية حَمّلها الكاتب بعض المشاهد المتخيلة

في يوم ظنه أنه يوم هادئ من أيام الحرب على غزة، سلّم أحمد نفسه إلى تجار البشر على جانبي الحدود بين القطاع ومصر. وما كان أحمد، ذلك الشاب اليافع وهو في مقتبل الثلاثينات، ليقدم على هذا الاستسلام، إلا ما هو أسوأ منه في غزة. دفع أحمد للتجار "تحويشة" عمره من الدولارات ليدبروا له خروجاً آمناً من أخطر بقعة في الأرض. وقبل أن يحظى بالأمن، رأى أحمد الموت مرتين. رأى أحمد الموت رأيَ العين.

دخل أحمد فوهة النفق، وكأنه يدخل فوهة بركان، بعد أن دس في جيب المُهرب ألف دولار أميركي. كان ذلك تحت قصف الطائرات الإسرائيلية التي كانت في حينه تضرب أي جسم يتحرك في شوارع القطاع وعلى حدوده. زحف رفقة 11 شاباً آخر داخل النفق، وما أن كادوا يصلوا نهايته حتى وجدوه مسدوداً بالتراب. عادوا أدراجهم، وما أن وصلوا الفتحة حتى باغتتهم طائرة إسرائيلية بصاروخ أغلق الفوهة. وللتو، نجوا من الموت بأعجوبة، وحمدوا الله.

اثنتا عشرة ساعة قضاها أحمد ورفاقه الأحد عشر داخل النفق. اثنتا عشرة ساعة وهم يعدون أنفاسهم الأخيرة ويحاولون إطالة أمدها قدر الإمكان. اثنتا عشرة ساعة وهم ينبشون بأيديهم -التي تصارع الموت- بالاتجاهين علهم يعثرون على متنفس أو نور في نهاية النفق، أو حتى أوله. اثنتا عشرة ساعة، أي نصف يوم، 720 دقيقة، 43 ألفاً و200 ثانية. كل ثانية مرت على أحمد ورفاقه وكأنها سنة، قبل أن يفتح لهم متطوعون من الجانب الفلسطيني فوهة النفق ليعودوا للحياة من جديد. يقول أحمد: "لقد رأيت الموت بأم عيني"!

بالنسبة لأحمد كان هذا موتاً، لكن في غزة ما هو أشد بكل تأكيد من هذا الموت، الذي سيدفعه ورفاقه مرة أخرى إلى النزول في نفق آخر مجاور، بينما لم تجف بعد تجربة الموت السابقة. هذه المرة نجا أحمد ورفاقه بجلودهم، وخرجوا من النفق في أرض خلاء، وكان في استقبالهم تاجر بشر آخر على الجانب المصري. التاجر: حمداً لله على سلامتكم. أحمد: سلامة! أي سلامة هذه؟. خرجنا من الحرب فسقطنا في الموت. لقد متنا وها نحن أحياء من جديد.. إن اليوم هو يوم القيامة! ضحك التاجر فاركاً يديه بما يشي بطلبه الفلوس. وعلى الفور نقده كل واحد منهم ألف دولار أميركي.

كانت سيارة من نوع مرسيدس بانتظارهم. السيارة تسع سبعة ركاب والسائق، لكنهم تكدسوا جميعاً بداخلها. وكان هذا أول تمرين على التكدس الذي سيتكرر لاحقاً طيلة الرحلة. وقبل كل حاجز عسكري للشرطة المصرية على الطريق من العريش إلى القاهرة، كان يطلب منهم السائق الترجل من السيارة قبل الحاجز بمئات الأمتار لتجنبه. ينزلون عن الإسفلت، وتلتهمهم الصحراء، كي يلتفوا عن الحاجز. ساعة أو تزيد من المشي قبل أن يلتقوا بالسائق في الناحية الثانية من جديد. يتكرر هذا الفعل ثلاث أو خمس مرات، بحسب عدد الحواجز على الطريق.

يصل أحمد إلى الإسكندرية فجر اليوم التالي، منهكاً متعباً مرهقاً، بعد رحلة قاربت مدتها 24 ساعة، رأى خلالها الموت مرة داخل النفق، ومشى فيها على قدميه 5 ساعات على الأقل تحت حرارة صحراء سيناء التي تقترب من 45 درجة مئوية، ودفع خلالها أتاوات للمهربين تقترب من ألفين و500 دولار أميركي. ترى ما الأحلام التي ستراود أحمد وهو يهم الآن على الدخول في النوم، ومن شرفته يتلألأ ساحل الإسكندرية الجميل؟ ما أبشع أن يأتي وقت اللذة وقد استُنفذت آخر قطرة من قواك!

يُمضي أحمد ورفاقه في الإسكندرية ستة أيام، يتحين فيها تجار البشر الوقت المناسب للإبحار باتجاه السواحل الإيطالية. وهؤلاء التجار تربطهم بلا شك علاقات مع رجال أمن كبار. فتجارة تدر على أصحابها كل هذه الآلاف، بل الملايين من الدولارات، لا بد وأن يقف في ظهرها عصابات منظمة مدعومة من سلطات عليا في البلاد.

في فجر اليوم السابع، اتصل بهم المُهرب فجأة، وأبلغهم بالنزول إلى البحر فوراً. وعلى عجل لملم أحمد أغراضه في حقيبة وضعها على كتفيه، وهرول مسرعاً على سلم البناية التي كان يقطنها. وعندما وصل الشاطئ، كان في انتظارهم عشرات القوارب الصغيرة، التي بالكاد يسع الواحد منها 20 شخصاً. أكثر من 60 شخصاً، وربما مائة، صعدوا على كل قارب. وقبل أن تطأ أقدامهم خشب القارب المتهالك، ينقد كل واحد منهم تاجر البشر هذا ألف دولار أميركي. وانطلقت القوارب في اتجاهات عدة لأسباب أمنية يدركها المهربون الذي يحفظون صحراء البحر عن ظهر قلب.

كان النهار قد انبلج، والشمس أضحت ترتفع رويداً رويداً من وراء ماء البحر، وبات من على ظهر السفينة لا يرون من حولهم إلا زرقة المياه، وقد اختفى شاطئ الإسكندرية بمبانيه القديمة تماماً. على متن السفينة قرابة المائة نسمة. شباب وعائلات وأطفال وكهول. يرتشفون بين الفينة والأخرى بضع قطرات من المياه، تعوض العرق الذي يتصبب من أجسامهم. لا دورات مياه هنا، ومن يريد من يقضي حاجته عليه أن يتدبر نفسه إلى حين.

يستمر القارب يمخر عباب البحر، ساعة، ساعتان، ثلاثة، والكل يُصبر الآخر: متسائلاً: متى نصل؟ فيجيب هذا الكل أو بعضه: عما قريب. تلوح في الأفق سفينة ضخمة تربض في منتصف البحر. يتجه القارب للسفينة، ويطلب الربان من الركاب الصعود إلى السفينة. تندلع جلبة فوق القارب، ويسري بين ركابه هرج ومرج، موجهين جملة استهجان واحدة للمُهرب: هذا ما لم نكن متفقين عليه! يقف الناس في القارب غاضبين، يتحرك البعض بعنف وخوف لا إرادياً، فتزداد اهتزازاته، تتعالى أصوات صياح الأطفال، وتنوح النساء، فيرتفع صوت المهرب زاعقاً في الناس: القارب سيغرق، القارب سيغرق.

يثبت الجميع فجأة كل في مكانه وعلى هيئته، فتنخفض اهتزازات القارب، وتسود لحظة صمت طويلة يتوافق خلالها المهاجرون بنظرات عيونهم على الاستسلام، ويخضعون للانتقال من القارب إلى السفينة الضخمة. يحاذي القارب السفينة تماماً، إلا من فجوة صغيرة تحافظ على وجودها المياه التي لا تهدأ. يبدأ الشباب بتسلق حبل يمتد من أعلى السفينة إلى وسط القارب. وبحذر شديد يناول الشباب الأطفال لبعضهم بعضاً رمياً. أما العواجيز، فإن زلت قدم أحدهم، وهو ينتقل من القارب إلى منطقة واطئة في مؤخرة السفينة، فإن هذه الزلة ستكلفه حياته. انتقل الجميع من القارب إلى السفينة بسلام محفوف بكل معاني المخاطرة، وكان آخر المنتقلين المُهرب ومساعده.

استقرت السفينة في مكانها دون تحرك لساعات، اختلى خلالها المهربون على متن القارب بزملائهم على ظهر السفينة. طال الانتظار. ساعة، ساعتان، ثلاثة، وإذ بخمسة قوارب أخرى ممتلئة تقترب من السفينة. فرّغت القوارب حمولتها على ظهر السفينة. وباتت السفينة التي يجب ألا تزيد حمولتها عن 200 شخص، يعتليها 500 نسمة. اكتظاظ في كل مكان، حواف السفينة احتلها الشبان، وافترشت العائلات بأطفالها رفقة العواجيز وسط السفينة. وتناوش الجمع بضع زجاجات من الماء، رشفة واحدة وتمرر القنينة لمن في الجوار. وهكذا تدور إلى أن تفرغ، دون أن يروي أي منهم ظمأه.

سارت السفينة باتجاه السواحل الإيطالية وعلى متنها 500 شخص، جاءوا من أصقاع. من سوريا والعراق وفلسطين ولبنان والنيجر ونيجيريا والسودان، ومن أمم أخرى لم يستطع أحمد تحديد معالم وجوه أصحابها، يجمعهم هدف واحد: البحث عن حياة أفضل. انقضى نهار اليوم الأول وأرخى الليل سدوله والسفينة لا تزال تمخر عباب البحر نحو اللامجهول. طلع نهار اليوم الثاني، وبدأت الشمس توقظ بحرارتها رويداً رويداً من غلبهم النوم، وتدب النشاط في من غالبهم النعاس. ومع الضحى بدأ النشاط يدب على ظهر السفينة، واكتشف الناس رغبتهم في قضاء حاجتهم. وكانت المفاجأة، دورة مياه واحد فقط على متن السفينة لخمسمئة شخص!

في اليوم الثالث جفت حلوق كل من على متن السفينة من رياح البحر المالحة، ولم يعد على متن السفينة من مياه إلا ما يرطب شفاههم. وهذه المياه إن وجدت، تكون للأطفال أولاً، والنساء ثانياً، والعواجيز ثالثاً. جنّ ليل اليوم الرابع، وبزغ نهار اليوم الخامس والسفينة لا تتوقف عن المسير، ولا يرى أحمد رفقة من على متنها إلى زراق في زراق. زراق من حولهم وزراق من فوقهم. منظر كئيب ألفه ركاب السفينة، ولم يعودوا يرون فيه جمالاً قط. في اليوم السابع، خارت قوى عدد لا بأس به من الركاب، فأغمي على بعضهم من شدة الجوع والعطش وحرارة الشمس، ودخل فريق آخر في موجة بكاء ونحيب حزينة. لقد أحرقت الشمس وجوه أغلبيتهم، وبدت خطوط ملح العرق ترسم أشكالاً سيريالية على وجوههم. وناجى فريق ثالث الله بتضرع وخيفة بالفرج.

سبعة أيام في البحر، شحبت خلالها الوجوه، وغارت الخدود، وخارت القوى حد الإغماء، وانكمشت الأجسام فبان العظم، وجفت الشفاه، واحترقت الوجوه، ونقشت خيوط الدموع فيها أخاديد من ملح، وتحول كل من على السفينة إلى مجرد أشباح، يرى كل واحد منهم في مرآة وجه الآخر نفسه. كان أحمد يعد أنفاسه، وقد رسخ لديه يقين أنها الأخيرة. استلقى على ظهر السفينة، ظهر على ظهر، فاغراً فاه، وأشاح بيده بحركة ضعيفة مودعا الجميع قبل أن يغط في موت مؤقت. يُعلن رفاقه: أحمد يموت للمرة الثانية.

والناس على هذه الحال، وبينما كان القمر قد أخذ مكانه وسط السماء، وبدأ الناس يعدون النجوم ويستأنسون بها، لاحت لهم أضواء تلمع وتنطفئ من بعيد. احتاجوا وقتاً من الزمن كي يتبينوا أن لون الأضواء حمراء. خيل لهم أن هذا جزء من حلم لم يفيقوا منه بعد. انتظروا اقتراب الضوء الذي بدا يلمع من فوق أركان شيء مربع. خالوه جسماً طافياً فوق الماء لا معنى له، لولا صوت صدح منه: لا تخافوا نحن جئنا لإنقاذكم... لقد جئنا لإسعافكم.

وما أن ظهرت أطراف الباخرة بوضوح مع اقترابها رويداً رويداً نحوهم، دب الأمل بالنجاة فيهم من جديد. باخرة إيطالية لنقل البضائع محملة بالحاويات، وجهها خفر السواحل إلى مكان سفينة المهاجرين، لأنها كانت الأقرب إليهم حين بلغ الخفر إنذار بجنوح سفينة مهاجرين في البحر. فتح طاقم الباخرة باباً ضخماً في أسفلها وامتد مثل لسان انتقل من خلاله من على متن السفينة إلى الباخرة بسلام. وعلى ظهر الباخرة تناول الجمع الغفير وجبات طعام خفيفة وشربوا حتى غرقت حلوقهم في الماء. لقد أكلوا وشربوا وكأنهم يرون الماء والطعام لأول مرة. أقلتهم الباخرة إلى أقرب شاطئ في جزيرة صقيلية الإيطالية، ومن هناك تولى مسؤوليتهم طاقم من الصليب الأحمر الإيطالي، الذي ساعدهم في أن تطأ أقدامهم للمرة الأولى اليابسة، بعد ثمانية أيام بلياليهن في عرض البحر.

بعد نحو أسبوع قضاها أحمد في مركز احتجاز للمهاجرين في إيطاليا، أطلقت السلطات سراحهم لينطلق في رحلة جديدة، ركب خلالها قطارات وسيارات وشاحنات، ومشى خلالها على أقدامه ما مشى من القفار التي تمتد إلى مئات الكيلومترات، إلى أن استقر به المقام أخيرا في بلجيكا. وبعد أقل من عام تحصّل أحمد على الإقامة الدائمة في بلده الجديد، بلجيكا، الذي سيبدأ اكتشافه للتو. مضى على أحمد الآن في بلجيكا عامان ونصف العام تقريباً، تعلم فيهما اللغة، ومنحته الحكومة مبيتاً لائقاً بآدميته، وراتباً شهرياً يكفيه المسألة، وها هي الحكومة تعرض عليه الآن تدريباً حرفياً لامتهان ما يشاء من حرف الحياة، ليؤسس حياته من جديد.

سألت أحمد: هل يستحق الحصول على جواز سفر أوروبي كل هذه المعاناة والمكابدة؟ انفرجت عن شفتيه ابتسامة خجولة قبل أن يسحب نفساً عميقاً ويقول: حين تكون مجبراً على الاختيار بين أفضل طريقة للموت، فإنك تختار أقلها ألماً، وهذا ما اخترته، أو بالأحرى هو الذي اختارني. قلت: ألهذه الدرجة الوضع في غزة أصعب مما عايشته من مشاهد موت؟ قال: في رحلتي هذه واجهت الموت مرتين، مرة في النفق والثانية على ظهر السفينة، لكن الناس في غزة يموتون كل يوم مائة مرة!

No comments:

Post a Comment